هبة زووم – الرباط
في مشهد يكشف حجم الارتباك الذي بات يطبع صناعة القوانين داخل البرلمان، اضطرت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية إلى التراجع عن التعديلات المثيرة للجدل التي كانت قد تقدمت بها ضمن مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، بعدما فجّرت موجة واسعة من الغضب والانتقادات داخل الأوساط المهنية والحقوقية.
الخطوة التي حاول الحزب تسويقها تحت عنوان “الانفتاح على الآراء” و”المقاربة التشاركية”، بدت بالنسبة لكثير من المتابعين مجرد تراجع اضطراري فرضه ضغط المحامين والرأي العام، أكثر مما هو قناعة حقيقية بوجود خلل في التعديلات المقترحة، خاصة تلك المتعلقة بالإعفاء من شهادة الكفاءة المهنية ومن فترة التمرين، وهي المقتضيات التي اعتبرها مهنيون “ضرباً لمبدأ تكافؤ الفرص” و”محاولة لفتح أبواب المهنة بمنطق الامتيازات”.
ورغم أن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية أكدت في بلاغها أن هدفها لم يكن “تسهيل الولوج غير المنضبط إلى المهنة”، فإن مجرد طرح تعديلات بهذا الحجم والحساسية أعاد إلى الواجهة سؤالاً مقلقاً حول الكيفية التي تُصاغ بها بعض النصوص التشريعية داخل المؤسسة البرلمانية، وحول مدى استحضار أثرها على مصداقية المهن وهيبة المؤسسات.
فمهنة المحاماة، باعتبارها إحدى ركائز العدالة ودولة القانون، لا يمكن أن تتحول إلى حقل للتجريب السياسي أو للمقايضات التشريعية، خصوصاً في سياق يعيش فيه المغرب أصلاً أزمة ثقة متفاقمة في عدد من المؤسسات والقطاعات.
لذلك، فإن أي محاولة لتخفيف شروط الولوج أو تجاوز مساطر التكوين والتأهيل، تثير تلقائياً شبهة “تفصيل القوانين” على المقاس، حتى وإن تم تغليفها بخطاب الإصلاح والإنصاف.
اللافت في هذه القضية أن التراجع لم يأتِ نتيجة قناعة سياسية مسبقة، بل بعد انفجار موجة احتجاج واسعة من الهيئات المهنية والفاعلين القانونيين، ما يعكس مرة أخرى أن بعض الفرق البرلمانية لا تختبر وقع مقترحاتها إلا بعد وقوع الصدمة المجتمعية، وكأن التشريع أصبح يتم بمنطق “جس النبض” لا بمنطق الرؤية القانونية الرصينة.
كما أن البلاغ الذي تحدث عن “التشاور” و”تلقي الملاحظات” يطرح بدوره تساؤلات محرجة: ألم تكن هذه الهيئات المهنية موجودة قبل تقديم التعديلات؟ وألم يكن من المفروض الإنصات إليها قبل إشعال هذا الجدل الذي ضرب صورة المؤسسة التشريعية وأعاد النقاش حول منطق الامتيازات والريع داخل بعض المهن؟
الأخطر في كل ما جرى، ليس فقط التراجع في حد ذاته، بل الرسالة السلبية التي وصلت إلى الرأي العام، ومفادها أن قوانين حساسة تمس مهن العدالة يمكن أن تُصاغ وتُعدل بمنطق الارتجال، قبل أن يتم سحبها تحت الضغط، وهي صورة تعمق أزمة الثقة في العمل البرلماني، وتمنح الانطباع بأن بعض المبادرات التشريعية تُدار بردود الأفعال بدل الاستناد إلى رؤية مؤسساتية واضحة.
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه المواطنون إصلاحاً حقيقياً لمنظومة العدالة والمهن القانونية، يجدون أنفسهم أمام معارك جانبية وصراعات حول الامتيازات، بينما تتراجع النقاشات الجوهرية المتعلقة بتطوير القضاء، وضمان الولوج العادل للمهن، وتحقيق الأمن القانوني والمؤسساتي.
ويبقى السؤال الأهم: هل كان سحب التعديلات اعترافاً ضمنياً بخطئها، أم مجرد محاولة لاحتواء الغضب وتفادي كلفة سياسية جديدة؟ في كلتا الحالتين، فإن ما حدث يؤكد أن التشريع لا يمكن أن يُبنى بمنطق المناورة، لأن القوانين التي تمس العدالة والمهن المنظمة تحتاج إلى كثير من الحكمة لا إلى حسابات اللحظة السياسية الضيقة.
تعليقات الزوار