“نكافات الجامعة” وصناعة الوهم أو عندما تتحول برقية دبلوماسية إلى ملحمة كروية

هبة زووم – الرباط
في المغرب، لم يعد المشهد الكروي يُدار فقط داخل المستطيل الأخضر، بل أصبح يُصنع أيضاً داخل غرف الدعاية والتسويق الإعلامي، حيث تحوّل بعض “سماسرة الكرة” أو ما بات الجمهور يسميهم بـ”نكافات الجامعة” إلى ماكينة متخصصة في تضخيم كل تفصيل مرتبط بجامعة فوزي لقجع، حتى ولو تعلق الأمر ببرقية تهنئة دبلوماسية روتينية صادرة عن السفارة الأمريكية، جرى تقديمها للرأي العام وكأنها اعتراف أممي بـ”عبقرية كروية” غير مسبوقة.
هذه الآلة الدعائية لم تكتفِ بتضخيم الأحداث، بل ذهبت أبعد من ذلك، حين حاولت تصوير اختيار حكم مغربي للمشاركة في مونديال 2026 باعتباره “معجزة تاريخية”، متناسية أن التحكيم المغربي سبق أن أنجب أسماء صنعت المجد الحقيقي، وفي مقدمتها الحكم الراحل السعيد بلقولا الذي دخل التاريخ من بابه الواسع بقيادته نهائي كأس العالم 1998 بفرنسا، في إنجاز لم يكن يحتاج إلى جوقة للتطبيل ولا إلى حملات تسويق رخيصة.
لكن ما يثير الجدل اليوم ليس مجرد اختيار الحكم جلال جيد ضمن اللائحة الدولية، بل الأسئلة الثقيلة التي ترافق هذا الصعود “السريع” داخل هرم التحكيم المغربي والدولي، فالرجل ليس اسماً عادياً داخل المنظومة، بل هو مقرب من رضوان جيد، المسؤول النافذ داخل مديرية التحكيم، والذي يوصف في الأوساط الرياضية بـ”الرجل القوي” في دواليب الصافرة المغربية.
وهنا يطرح الشارع الرياضي سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام مسار طبيعي قائم على الكفاءة والتدرج، أم أمام نموذج جديد لتحويل المناصب الرياضية إلى امتيازات عائلية مغلفة بشعارات الاحتراف؟
الخطير في الأمر أن هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ، بل تتغذى من تراكمات طويلة من الشكوك التي تحيط بمنظومة التحكيم الوطنية، خاصة مع تزايد احتجاجات الأندية والجماهير على قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، وارتفاع الأصوات التي تتحدث عن “لوبيات” تتحكم في التعيينات والتمثيليات الدولية بعيداً عن معايير الاستحقاق الحقيقي.
ولعل ما يزيد الصورة قتامة هو ما تعرضت له الحكمة الدولية بشرى كربوبي، التي تحولت في وقت سابق إلى رمز للإحباط داخل المنظومة التحكيمية، بعدما وجدت نفسها خارج بعض المنافسات الدولية رغم الإشادة الكبيرة التي تلقتها من الهيئات الكروية الدولية، في مقابل الدفع بأسماء أخرى نحو الواجهة في ظروف أثارت الكثير من علامات الاستفهام.
لقد كان من المفترض أن تشكل تجربة كربوبي فرصة لترسيخ صورة تحكيم مغربي قائم على الكفاءة والجدارة، لكن ما وقع أعاد النقاش حول منطق “الولاءات” و”العلاقات” داخل دهاليز القرار التحكيمي، وحول ما إذا كانت بعض المناصب والفرص أصبحت حكراً على أسماء بعينها تدور داخل الفلك نفسه.
وفي خضم هذا الجدل، يواصل المطبلون صناعة البطولات الوهمية، وتسويق أي حدث عادي على أنه “فتح تاريخي”، بينما يتجنبون الخوض في جوهر الأزمة الحقيقية: أزمة ثقة تضرب التحكيم المغربي، وأزمة شفافية داخل مؤسسات يفترض أنها تدافع عن تكافؤ الفرص لا عن منطق “الخاوة” والعائلة.
المفارقة المؤلمة أن كرة القدم المغربية، التي يفترض أن تكون مجالاً للتنافس الشريف والعدالة الرياضية، أصبحت في نظر كثيرين مرآة لاختلالات أعمق، حيث تتداخل المصالح، وتتوسع دوائر النفوذ، وتتحول بعض المواقع الحساسة إلى مناطق مغلقة لا يدخلها إلا المحظوظون.
وبين الاحتفال المبالغ فيه ببرقيات التهنئة، والضجيج الإعلامي المصطنع، يبقى السؤال الحقيقي معلقاً في ذهن الشارع الرياضي المغربي: متى تتحرر الصافرة المغربية من سطوة النفوذ والولاءات؟ ومتى يصبح الوصول إلى المحافل الدولية نتيجة للكفاءة وحدها، لا لروابط قرب المسافة من مراكز القرار؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد