الحكومة تتغنى بإصلاح الصفقات العمومية والمعارضة تسائل واقع الاحتكار

هبة زووم – الرباط
كشفت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، عن معطيات جديدة تؤكد توجه الحكومة نحو إعادة هندسة منظومة الصفقات العمومية، عبر توسيع استفادة المقاولات الصغيرة جداً والمتوسطة، والمقاولات الناشئة، والتعاونيات، والمقاولين الذاتيين، من جزء مهم من الطلب العمومي الذي ظل لسنوات حكراً على أسماء وشركات بعينها.
وفي جواب كتابي وجهته إلى المستشارين البرلمانيين الدحماني المصطفى وبن فقيه محمد عن فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين، أكدت الوزيرة تخصيص 30 في المائة من إجمالي الصفقات العمومية لفائدة هذه الفئات، في خطوة تقدمها الحكومة باعتبارها مدخلاً لتحقيق عدالة اقتصادية وإنعاش النسيج المقاولاتي الوطني.
غير أن الأرقام التي قدمتها الوزارة، ورغم أهميتها، تفتح في المقابل باب التساؤلات حول مدى انعكاس هذه الإصلاحات فعلياً على أرض الواقع، وحول ما إذا كانت الصفقات العمومية قد تحررت فعلاً من منطق الاحتكار والزبونية الذي ظل يلاحق هذا القطاع لسنوات طويلة.
الوزيرة أوضحت أن عدد الشركات المسجلة ببوابة الصفقات العمومية ارتفع بنسبة 54 في المائة ليصل إلى أكثر من 54 ألف شركة بحلول سنة 2025، معتبرة أن هذا المؤشر يعكس نجاح التحول الرقمي واعتماد مبدأ “العرض الأفضل اقتصادياً” بدل منطق العلاقات والنفوذ.
كما تحدثت عن قفزة قياسية في صفقات “سندات الطلب” بنسبة بلغت 498 في المائة، إلى جانب تسجيل أزيد من 14 ألف طلب عروض مبسط خلال سنة واحدة، وهي إجراءات تقول الحكومة إنها تهدف إلى تبسيط المساطر الإدارية ورفع العراقيل التي كانت تواجه المقاولات الصغرى في الولوج إلى السوق العمومية.
لكن، في المقابل، يرى متابعون أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في تسهيل الولوج إلى الصفقات، بل في ضمان تكافؤ الفرص والقطع مع شبكات المصالح التي ما تزال تتحكم في عدد من الصفقات على المستوى المحلي والترابي، خاصة في الجماعات والمؤسسات التي تعاني ضعف آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتراهن الحكومة أيضاً على ما تسميه “الأفضلية الوطنية”، من خلال تخصيص طلبات عروض للمتنافسين المستقرين بالمغرب، مع فرض استعمال منتجات الصناعة التقليدية والمعايير المغربية، فضلاً عن اعتماد نظام التحصيص لتسهيل مشاركة المقاولات الصغيرة، وهو ما رفع عدد الصفقات المخصصة إلى 4516 صفقة.
كما أبرزت الوزارة اعتماد آليات جديدة لحماية المتعاقدين من الباطن، عبر ضمان الأداء المباشر لمستحقاتهم المالية، إلى جانب السماح بإحداث تجمعات بين المقاولات الصغيرة لمواجهة هيمنة الشركات الكبرى على المشاريع العمومية.
وعلى المستوى الدولي، أكدت نادية فتاح أن هذه الإصلاحات مكنت المغرب من الحصول على الدرجة “A” في تقرير نجاعة تدبير المالية العمومية، وتصنيف منظومة الصفقات العمومية المغربية ضمن الأكثر تقدماً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفق منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
ورغم هذا التثمين الدولي، فإن التحدي الحقيقي يبقى في قدرة هذه الإصلاحات على التحول من مجرد مؤشرات رقمية وتقارير تقنية إلى أثر اقتصادي ملموس يشعر به المقاول الصغير، بعيداً عن الشعارات والبلاغات الرسمية، خاصة في ظل استمرار شكاوى عدد من الفاعلين من بطء الأداء، وتعقيد بعض المساطر، وهيمنة منطق النفوذ في بعض الصفقات الكبرى.
فنجاح أي إصلاح للصفقات العمومية لا يقاس فقط بعدد الطلبات والبوابات الرقمية، بل بمدى تكريس الشفافية، وضمان المنافسة النزيهة، وتحويل المال العام إلى رافعة حقيقية للتنمية بدل أن يبقى مجالاً لإعادة إنتاج الامتيازات نفسها بأدوات جديدة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد