أزيلال المنسية.. امرأة حامل تُنقل فوق نعش خشبي والعامل زيتوني يواصل تسويق الوهم

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
مرة أخرى، يخرج الواقع القاسي بإقليم أزيلال ليكذب خطابات الإنجاز وبلاغات التهليل والتطبيل التي تحاول رسم صورة وردية عن وضع تنموي لا وجود له إلا في التقارير الرسمية وبعض المنابر المتخصصة في صناعة الأوهام. فبينما يستمر الحديث عن البرامج والمشاريع والمخططات، تعيش ساكنة المناطق الجبلية بالإقليم أوضاعاً تذكر بمشاهد المغرب العميق في بدايات القرن الماضي.
آخر هذه الصور الصادمة جاءت من منطقة زاوية أحنصال، حيث اضطرت أسرة امرأة حامل إلى نقلها على متن نعش خشبي تقليدي عبر مسالك جبلية وعرة، بعد انتظار دام لأكثر من ساعتين دون وصول سيارة إسعاف كان يفترض أن تكون في خدمة المواطنين في حالات الخطر والاستعجال.
حادثة ليست استثنائية كما يحاول البعض تصويرها، بل هي حلقة جديدة من مسلسل طويل من المعاناة اليومية التي تعيشها ساكنة أزيلال، خاصة بالمناطق الجبلية المعزولة التي ما تزال تؤدي ثمن سنوات من التهميش وضعف البنيات التحتية الصحية والطرقية، رغم الملايير التي ضخت في إطار برامج مختلفة للتنمية المجالية وفك العزلة.
لقد شكلت الصور المتداولة للحامل وهي تُنقل فوق نعش خشبي صدمة للرأي العام، ليس فقط بسبب بعدها الإنساني المؤلم، بل لأنها كشفت مرة أخرى حجم الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. فكيف يمكن الحديث عن التنمية والعدالة المجالية بينما تظل نساء حوامل مهددات بالموت أثناء البحث عن حقهن في العلاج؟ وكيف يمكن التباهي بالمنجزات في وقت ما تزال فيه سيارة الإسعاف غائبة عن مناطق بأكملها؟
إن ما وقع بزاوية أحنصال لا يمكن فصله عن الحصيلة العامة للتدبير الترابي بالإقليم، وهي حصيلة تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مدى نجاح السلطات الإقليمية في تقليص الفوارق المجالية وتحسين ظروف عيش الساكنة الجبلية. فالمواطن البسيط لا يقيس التنمية بعدد الاجتماعات والزيارات الرسمية، وإنما بمدى قدرته على الوصول إلى المستشفى والطريق والمدرسة والخدمات الأساسية في ظروف تحفظ كرامته.
وفي هذا السياق، تتجه أصابع الانتقاد نحو عامل إقليم أزيلال محمد عطفاوي زيتوني، الذي يرى منتقدوه أن الإقليم لم يحقق في عهده التحول التنموي المنتظر، رغم استمرار الترويج لصورة توحي بأن الأوضاع تسير في الاتجاه الصحيح. غير أن الوقائع الميدانية، وآخرها مأساة زاوية أحنصال، تقدم رواية مختلفة تماماً عما يروج له بعض المتحمسين لسياسة التلميع الإعلامي.
كما تعيد هذه الحادثة فتح النقاش حول مآل الأموال العمومية التي خصصت لبرامج فك العزلة وتحسين الخدمات الاجتماعية بالعالم القروي، وحول مدى انعكاسها الحقيقي على حياة المواطنين. فلو كانت هذه البرامج قد حققت أهدافها كاملة، لما وجد سكان مناطق بأكملها أنفسهم مضطرين إلى العودة إلى وسائل بدائية لنقل المرضى والنساء الحوامل في القرن الحادي والعشرين.
إن مأساة زاوية أحنصال ليست مجرد حادث عرضي، بل مؤشر خطير على استمرار الهشاشة التنموية بأزيلال، ودليل واضح على أن معركة العدالة المجالية ما تزال بعيدة عن تحقيق أهدافها. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس إصدار البلاغات أو البحث عن تبريرات جاهزة، بل فتح تقييم حقيقي وشفاف لواقع التنمية بالإقليم وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالصور التي خرجت من جبال أزيلال لا تحتاج إلى تعليق، لأنها وحدها تختصر حجم المعاناة وتفضح زيف الشعارات، وتؤكد أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بما يُكتب في التقارير، بل بما يشعر به المواطن في حياته اليومية، وبقدرته على الوصول إلى أبسط حقوقه دون أن يُحمل على نعش خشبي بحثاً عن العلاج.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد