سطات: تجار الأزمات يخرجون من الظل والعامل حبوها يربك شبكات الريع والسمسرة

هبة زووم – سطات
بعد مرور سنة على تعيين العامل محمد علي حبوها على رأس عمالة إقليم سطات، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل داخل الإقليم، عنوانها إعادة الانضباط إلى تدبير الشأن العام ومحاولة القطع مع ممارسات ظلت لسنوات طويلة تشكل أحد أبرز معوقات التنمية المحلية.
فبعيدا عن لغة الشعارات والخطابات المناسبة، يبدو أن ما يزعج بعض الجهات اليوم ليس غياب المشاريع أو تعثر الأوراش، بل على العكس تماما، هو بداية تشكل إرادة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات وفرض قواعد جديدة في التدبير، وهو ما لم يرق لفئات اعتادت الاستفادة من الاختلالات والفوضى ومناطق الظل التي كانت توفر لها هامشا واسعا من المناورة وتحقيق المصالح الخاصة.
وتكشف التحركات الأخيرة لبعض المنتخبين والوسطاء وممتهني التسمسير السياسي والعقاري أن هناك حالة استنفار غير معلنة داخل أوساط اعتادت تحويل الشأن العام إلى مجال للمضاربة والابتزاز وتصفية الحسابات، أكثر منه فضاء لخدمة المواطن والترافع عن قضاياه الحقيقية.
ولسنوات طويلة، ظلت بعض المؤسسات المنتخبة بإقليم سطات مسرحا لممارسات أفرغت العمل السياسي من معناه النبيل، وحولت عددا من المواقع التمثيلية إلى مجرد أدوات لتحقيق الامتيازات والمصالح الشخصية. فبدل التنافس حول المشاريع التنموية والرؤى الاستراتيجية، سادت أحيانا ثقافة الولاءات والمساومات والصفقات الصغيرة التي ساهمت في إضعاف الثقة في العمل السياسي وفي المؤسسات المنتخبة.
ولا يمكن الحديث عن الوضع الذي آل إليه الإقليم دون استحضار سنوات من التدبير المرتبك الذي طبع المرحلة السابقة، حيث تراكمت الاختلالات وتعطلت مشاريع وتأجلت أخرى، فيما وجد المواطن نفسه في كثير من الأحيان خارج حسابات بعض الفاعلين الذين انشغلوا بمعارك النفوذ أكثر من انشغالهم بمعارك التنمية.
اليوم، ومع بداية ظهور مؤشرات مختلفة في تدبير عدد من الملفات الحساسة، خرجت إلى السطح أصوات تحاول التشويش على أي مسار إصلاحي محتمل. وهي أصوات لا تخفي انزعاجها من فقدان امتيازات راكمتها لسنوات، ولا من تراجع قدرتها على التأثير في القرارات أو توجيه المشاريع وفق منطق المصالح الخاصة.
ويبدو أن العامل محمد علي حبوها يدرك جيدا طبيعة هذه الشبكات التي تنشط في هوامش المشهد المحلي، سواء تعلق الأمر ببعض محترفي السمسرة السياسية أو بمن اعتادوا الركوب على مجهودات الدولة وتحويل المشاريع العمومية إلى فرص لتحقيق الأرباح والمكاسب الخاصة.
وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تتقاطع مع مصالح بعض المنعشين العقاريين أو الوسطاء الذين لا ينظرون إلى التنمية باعتبارها رافعة لتحسين ظروف عيش المواطنين، بل باعتبارها فرصة لتضخيم الأرباح والاستفادة من العقار والمشاريع والبنيات التحتية التي تمولها الدولة بأموال عمومية.
وفي المقابل، بدأت ساكنة الإقليم تميز بشكل متزايد بين من يشتغل من أجل التنمية الحقيقية ومن يوظف الخطاب الشعبوي والمزايدات السياسية لتحقيق أهداف شخصية ضيقة. فالمواطن الذي عانى لسنوات من التأخر التنموي أصبح أكثر وعيا بطبيعة الصراعات التي تدور في الكواليس، وأكثر قدرة على فرز الخطابات الجادة من حملات التشويش المنظمة.
إن ما تحتاجه سطات اليوم ليس مزيدا من الصراعات المفتعلة ولا الحروب الصغيرة التي تخدم أجندات انتخابية ضيقة، بل تحتاج إلى استقرار مؤسساتي وإلى تعبئة جماعية تجعل مصلحة الإقليم فوق الحسابات الشخصية والحزبية.
كما أن الحفاظ على الدينامية التي بدأت تتشكل يتطلب مواجهة كل محاولات عرقلة الأوراش التنموية أو توظيف معاناة المواطنين في معارك النفوذ والتموقع. فالتنمية لا يمكن أن تزدهر في بيئة تتحكم فيها الحسابات الضيقة، ولا يمكن أن تحقق أهدافها في ظل استمرار ثقافة الابتزاز والسمسرة والبحث عن الريع.
ويبقى الرهان الأكبر اليوم هو أن تنجح سطات في طي صفحة سنوات من العبث والارتجال، وأن تتحول الجهود المبذولة إلى مشاريع ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية. أما تجار الأزمات ومحترفو التسمسير ومن اعتادوا الاغتناء من الاختلالات، فإن المرحلة الجديدة تبدو أقل تسامحا مع ممارساتهم، وأكثر ميلا إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية المصلحة العامة من كل أشكال الاستغلال.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية التي يخوضها الإقليم ليست فقط معركة تنمية، بل هي أيضا معركة ضد شبكات المصالح التي ظلت لعقود تقتات على التعثر وتستفيد من استمرار الأوضاع على حالها، وهي معركة لن يكتب لها النجاح إلا بتضافر جهود السلطة والمجتمع والقوى الحية من أجل حماية مستقبل سطات من كل محاولات الالتفاف على إرادة الإصلاح.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد