هبة زووم – الدار البيضاء
شهدت الدورة العادية لشهر يونيو بمقاطعة ابن امسيك حدثاً لافتاً تمثل في فتح أبواب قاعة الاجتماعات أمام العموم، بعد سنوات من الانتقادات التي طالت طريقة تدبير الولوج إلى أشغال الدورات، حيث كان العديد من المواطنين والمهتمين بالشأن المحلي يشتكون من صعوبة حضور الجلسات بدعوى امتلاء القاعة أو محدودية الطاقة الاستيعابية.
ورغم أن هذه الخطوة اعتُبرت في ظاهرها انتصاراً لمبدأ الانفتاح والحق في الاطلاع على تدبير الشأن المحلي، إلا أن مجريات الدورة كشفت عن إشكالات أعمق تتعلق بجوهر الممارسة الديمقراطية داخل المؤسسة المنتخبة.
فمنذ انطلاق الأشغال، برزت أولى الملاحظات المرتبطة بالجانب التنظيمي، حيث افتتحت الجلسة في غياب مكبرات الصوت، ما صعّب على عدد من الحاضرين تتبع تفاصيل المداخلات والنقاشات.
وتم تقديم أحد المشاريع المتعلقة بالساكنة من خلال عرض مطول تضمن الأهداف والاعتمادات المالية المرصودة، قبل أن يتم الانتقال مباشرة إلى مرحلة التصويت دون تسجيل نقاش حقيقي أو إبداء ملاحظات جوهرية من طرف الأعضاء.
وما أثار انتباه المتتبعين أكثر هو المصادقة بالإجماع على عدد من النقاط المعروضة، في مشهد جعل من الصعب التمييز بين الأغلبية والمعارضة، وأعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً حول وظيفة المجالس المنتخبة: هل هي فضاءات للنقاش والتدافع الديمقراطي وتبادل الرؤى، أم مجرد هيئات للتصويت والمصادقة على مقررات معدة سلفاً؟
فالديمقراطية المحلية لا تقاس فقط بعدد الأصوات المؤيدة للقرارات، بل بقدرة المؤسسات المنتخبة على احتضان نقاشات حقيقية تسمح بتعدد الآراء وطرح البدائل ومساءلة السياسات العمومية. أما الإجماع الدائم، فيثير لدى كثير من المتابعين مخاوف من تراجع أدوار الرقابة والمحاسبة داخل المجالس المنتخبة.
وفي محور آخر من أشغال الدورة، استمعت القاعة إلى عرض قدمه ممثلو وكالة متخصصة قدمت من الرباط حول ملف البنايات الآيلة للسقوط، وهو الملف الذي يحظى بأهمية كبيرة بالنظر إلى المخاطر التي تهدد عدداً من الأحياء. غير أن العرض سرعان ما تحول إلى سيل من الأسئلة والانتقادات التي وجهها الأعضاء والحاضرون إلى ممثلي الوكالة، وسط انطباع عام بأن الأجوبة المقدمة لم تكن كافية لتبديد المخاوف أو تقديم حلول عملية للساكنة المتضررة.
واستثنى عدد من الحاضرين أحد ممثلي المختبر العمومي للتجارب والدراسات، الذي اعتبروا أن تدخله كان الأكثر وضوحاً وإقناعاً مقارنة بباقي المتدخلين، ومع ذلك، انتهى هذا المحور دون صدور توصيات واضحة أو التزامات محددة، ليغادر ممثلو الوكالة القاعة تاركين وراءهم الكثير من الأسئلة المفتوحة.
كما خصص جزء من الدورة لمناقشة ملفات الماء والكهرباء والتطهير السائل بحضور أطر الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء-سطات، غير أن النقاش عرف بدوره انزياحاً عن القضايا اليومية التي تؤرق الساكنة، بعدما استأثر أحد المتدخلين بحيز مهم من النقاش في قضايا تقنية متخصصة، وهو ما اعتبره عدد من الحاضرين إبعاداً للنقاش عن المشاكل الحقيقية التي ينتظر المواطنون إيجاد حلول لها.
وفي ختام الأشغال، اكتفى رئيس الجلسة بتجميع المطالب والملتمسات الموجهة إلى مختلف المتدخلين، مع التعبير عن الأمل في الاستجابة لها مستقبلاً، قبل رفع الدورة بعد تلاوة برقية الولاء والإخلاص المرفوعة إلى جلالة الملك.
وإذا كان فتح أبواب الدورة أمام العموم يشكل خطوة إيجابية نحو تعزيز الشفافية والانفتاح، فإن الرهان الحقيقي يظل في تحويل هذه الدورات إلى فضاءات حقيقية للنقاش العمومي المنتج واتخاذ القرارات المبنية على المحاسبة والتقييم والترافع الجاد عن مصالح الساكنة.
فالمواطن لا يبحث فقط عن حقه في الحضور، بل عن مؤسسات منتخبة قادرة على الإنصات والتفاعل وإنتاج الحلول، بدل الاكتفاء بعروض تقنية وتصويتات بالإجماع تنتهي دون أثر ملموس على واقع الأحياء ومشاكل المواطنين.
تعليقات الزوار