شروط الدعم الجديدة تشعل غضب الناشرين وتدفعهم لاتهام وزارة بنسعيد بدفع المقاولات الصحفية الصغرى نحو الإفلاس
هبة زووم – الرباط
لم يعد الجدل الدائر حول الدعم العمومي للصحافة والنشر بالمغرب مجرد نقاش تقني مرتبط بشروط الاستفادة أو مساطر التدبير، بل تحول إلى مواجهة مفتوحة بين وزارة الشباب والثقافة والتواصل وقطاع واسع من المهنيين الذين يرون في الإجراءات الجديدة تهديداً مباشراً لمستقبل عشرات المقاولات الإعلامية، خاصة الجهوية والصغرى منها.
ففي الوقت الذي يفترض أن يشكل الدعم العمومي آلية لتعزيز التعددية الإعلامية وتقوية المقاولات الصحفية وحماية مناصب الشغل، تفجرت موجة جديدة من الانتقادات بعد إعلان الشروط المعتمدة برسم سنة 2026، والتي اعتبرتها الفيدرالية المغربية لناشري الصحف تضييقاً غير مسبوق على المؤسسات الإعلامية الصغيرة وإقصاءً ممنهجاً لفئات واسعة من الناشرين.
جوهر الخلاف يتمثل في اشتراط توفر المقاولات الصحفية الإلكترونية الصغرى والجهوية على خمسة صحافيين مهنيين حاملين للبطاقة المهنية، إضافة إلى مدير النشر، كشرط للاستفادة من الدعم العمومي.
وهو شرط يبدو من الناحية النظرية مرتبطاً بالرغبة في تعزيز المهنية، لكنه يصطدم بواقع اقتصادي وإداري معقد تعيشه غالبية المقاولات الإعلامية الجهوية التي تكافح أصلاً من أجل الاستمرار في ظل تراجع سوق الإشهار وارتفاع تكاليف التشغيل.
الأكثر إثارة للجدل أن هذه الشروط تأتي في ظرفية استثنائية يعرف فيها قطاع الصحافة حالة ارتباك مؤسساتي مرتبطة بتأخر معالجة ملفات البطاقات المهنية وتجديدها، وهو ما يجعل عدداً من المقاولات غير قادرة عملياً على استيفاء الشروط المطلوبة حتى لو كانت تتوفر على صحافيين يمارسون مهامهم بشكل فعلي.
وتعتبر الفيدرالية المغربية لناشري الصحف أن ما يجري يتجاوز مجرد مراجعة تقنية لمعايير الدعم، ليصل إلى مستوى إعادة هندسة المشهد الإعلامي وفق مقاربة تعتمد منطق القوة المالية ورقم المعاملات وحجم المؤسسة، بدل مراعاة الدور المجتمعي والإخباري الذي تضطلع به الصحافة الجهوية والمحلية في تغطية قضايا المواطنين بمختلف مناطق المملكة.
هذا التخوف يكتسب وجاهته بالنظر إلى أن الصحافة الجهوية تمثل في كثير من المناطق الصوت الوحيد الذي يتابع قضايا التنمية المحلية والاختلالات الإدارية والشأن الترابي، في وقت تعجز فيه المؤسسات الإعلامية الكبرى عن تغطية تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين خارج المراكز الحضرية الكبرى.
كما أن ربط الدعم بمعايير قد يصعب تحقيقها بالنسبة للمؤسسات الصغرى يثير تساؤلات حقيقية حول مستقبل التعددية الإعلامية بالمغرب. فإضعاف المقاولات الصغيرة لا يعني فقط خسارة مؤسسات اقتصادية، بل قد يؤدي إلى تقليص التنوع في الآراء والزوايا التحريرية والمقاربات الإعلامية، وهو ما يتعارض مع الفلسفة الأصلية التي أنشئ من أجلها نظام الدعم العمومي.
وفي خضم هذا الجدل، تبرز انتقادات أخرى مرتبطة بطريقة إعداد هذه الشروط وإقرارها، حيث تتهم الفيدرالية الوزارة باتخاذ قرارات أحادية دون فتح حوار حقيقي مع مختلف الهيئات المهنية، وهو ما يعيد إلى الواجهة إشكالية تدبير قطاع حساس يفترض أن يقوم على التشاور والتوافق لا على فرض الأمر الواقع.
وتزداد المخاوف مع تحذيرات مهنيين من أن استمرار العمل بهذه المعايير قد يدفع عدداً من الصحف الجهوية إلى الإغلاق أو تقليص نشاطها بشكل كبير، الأمر الذي ستكون له انعكاسات مباشرة على التشغيل وعلى حق المواطنين في إعلام قريب من قضاياهم المحلية.
اليوم، لا يتعلق النقاش فقط بعدد الصحافيين أو شروط الاستفادة من الدعم، بل بمستقبل نموذج إعلامي كامل. فإما أن يكون الدعم العمومي وسيلة لتقوية التعددية وتوسيع قاعدة المؤسسات الإعلامية وضمان استدامتها، أو يتحول إلى أداة تعمق الفوارق بين المؤسسات الكبرى والصغرى وتعيد رسم الخريطة الإعلامية على أسس مالية محضة.
وفي انتظار فتح نقاش جدي ومسؤول حول هذه القضية، يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل تسعى الحكومة فعلاً إلى تأهيل القطاع الإعلامي وتطويره، أم أن الشروط الجديدة ستفضي عملياً إلى تقليص عدد الفاعلين الإعلاميين وإضعاف أحد أهم روافد التعددية والديمقراطية بالمغرب؟