هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم تعد مدينة الدروة تطالب بالمستحيل، ولا تبحث عن وعود انتخابية جديدة سرعان ما تتبخر بعد إعلان النتائج، بل أصبحت تتطلع إلى حد أدنى من التدبير المسؤول الذي يعيد إليها حقها في التنمية والتمثيلية السياسية الجادة، بعد سنوات من الانتظار وخيبات الأمل.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، تدخل الدروة مرحلة سياسية دقيقة، في ظل تراجع بريق عدد من الوجوه التي احتكرت المشهد المحلي لسنوات طويلة دون أن تترك أثراً تنموياً يوازي حجم الوعود التي أغدقتها على الساكنة في كل محطة انتخابية. فاليوم، لم يعد السؤال المطروح هو من سيرشح نفسه، بل من يمتلك فعلاً مشروعاً قادراً على إخراج المدينة من حالة الجمود التي تعيشها.
لقد تغير وعي الناخب، ولم تعد الشعارات الفضفاضة ولا الولائم الانتخابية ولا شبكات الوسطاء كافية لإقناعه. فالمواطن الذي يعاني يومياً من ضعف الخدمات، واختلال البنية التحتية، وغياب فرص الشغل، بات أكثر إدراكاً بأن البرلمان ليس امتيازاً شخصياً، بل مؤسسة يفترض أن تدافع عن مصالح المواطنين وتراقب السياسات العمومية.
ورغم هذا التحول في الوعي، لا تزال بعض العقليات السياسية أسيرة ممارسات تجاوزها الزمن، حيث يواصل البعض الرهان على سماسرة الانتخابات وشبكات النفوذ بدل الاحتكام إلى البرامج والكفاءة والتواصل المباشر مع المواطنين. وهي ممارسات لا تعكس فقط ضعفاً في الخطاب السياسي، بل تكشف أيضاً عن أزمة ثقة حقيقية بين بعض الفاعلين والناخبين.
إن استمرار التعويل على الوسطاء لشراء الولاءات أو صناعة النفوذ الوهمي لا ينتج سوى مؤسسات فاقدة للشرعية السياسية والأخلاقية، ويكرس مزيداً من العزوف وفقدان الثقة في العملية الديمقراطية. أما المدينة، فتظل الخاسر الأكبر، لأنها تجد نفسها بعد كل استحقاق أمام الوجوه نفسها والمشكلات نفسها والوعود نفسها.
وفي المقابل، تفرض المرحلة الراهنة ضرورة إحداث قطيعة حقيقية مع هذا النموذج التقليدي في تدبير الشأن السياسي، عبر الدفع بكفاءات تمتلك رؤية واضحة، وتضع التنمية المحلية في صدارة أولوياتها، بعيداً عن الحسابات الشخصية والولاءات الظرفية.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق المرشحين وحدهم، بل تمتد أيضاً إلى المجتمع المدني والنخب المحلية والشباب، الذين أصبحوا مطالبين أكثر من أي وقت مضى بالانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، والمساهمة في إفراز نخبة سياسية جديدة قادرة على تمثيل المدينة بجدارة والدفاع عن ملفاتها داخل المؤسسة التشريعية.
فالدروة لا تحتاج إلى برلماني يظهر مع اقتراب موعد الانتخابات ثم يختفي بعد إعلان النتائج، بقدر ما تحتاج إلى ممثل يحمل هموم الساكنة، ويتابع ملفاتها داخل البرلمان، ويجعل من التنمية والدفاع عن الحقوق أولوية لا شعاراً انتخابياً.
إن الانتخابات المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لوعي الناخبين قبل أن تكون اختباراً للمرشحين. فإذا نجحت المدينة في القطع مع منطق الأشخاص والولاءات، والاحتكام إلى معيار الكفاءة والبرنامج والمصداقية، فإنها ستكون قد وضعت أولى لبنات التغيير الحقيقي.
أما إذا استمرت الممارسات القديمة نفسها، واستمر الرهان على سماسرة الأصوات وشبكات المصالح، فإن الدروة ستبقى تدور في الحلقة المفرغة ذاتها، وستظل التنمية مؤجلة، فيما تتراكم انتظارات المواطنين عاماً بعد آخر، في مدينة تستحق أكثر بكثير مما عاشت عليه من وعود لم تجد طريقها إلى الواقع.
تعليقات الزوار