عقارب السياسة أم عقارب الساعة؟ أخنوش يربط القرار بالاقتصاد والمغاربة يطالبون بالإنصاف

هبة زووم – الرباط
عاد ملف الساعة القانونية إلى واجهة النقاش العمومي بعدما دافع رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، عن قرار حكومته القاضي بالإبقاء على الساعة الإضافية إلى غاية شهر شتنبر المقبل، مبرراً ذلك باعتبارات اقتصادية ودولية، في وقت لا يزال فيه جزء واسع من الرأي العام يعتبر هذا النظام أحد أكثر القرارات الحكومية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة.
وخلال جلسة المساءلة الشهرية بمجلس المستشارين، أكد أخنوش أن العودة إلى التوقيت القانوني للمملكة ليست قراراً يمكن اتخاذه بشكل اعتباطي، معتبراً أن المغرب أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية دولية تفرض تنسيقاً زمنياً مع الشركاء الاقتصاديين، وشركات الطيران، والخدمات العابرة للحدود، وهو ما يجعل تغيير الساعة، بحسب قوله، مرتبطاً باعتبارات تتجاوز الحدود الوطنية.
غير أن هذا التبرير، الذي تكرره الحكومات المتعاقبة منذ اعتماد الساعة الإضافية بشكل شبه دائم، لا يبدو أنه نجح في إقناع شريحة واسعة من المغاربة الذين ظلوا يطالبون بإعادة النظر في هذا الاختيار، معتبرين أن الاعتبارات الاقتصادية لا ينبغي أن تطغى على الآثار الاجتماعية والصحية التي يخلفها تغيير التوقيت، خاصة على التلاميذ والأسر والعاملين.
فمنذ سنوات، يتجدد الجدل مع كل إعلان رسمي يتعلق بالساعة القانونية، دون أن تقدم الحكومة للرأي العام تقييماً مفصلاً وشفافاً يوضح حجم المكاسب الاقتصادية التي حققها هذا النظام، أو يقارنها بالكلفة الاجتماعية والنفسية التي يتحملها المواطنون. وهو ما يجعل النقاش يدور في الحلقة نفسها، بين مبررات حكومية متكررة واعتراضات مجتمعية لا تجد جواباً مقنعاً.
وإذا كانت الحكومة تؤكد أن القرار يخدم تنافسية الاقتصاد الوطني وييسر اندماج المغرب في الأسواق العالمية، فإن المنتقدين يرون أن نجاح أي سياسة عمومية لا يقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية، وإنما أيضاً بمدى قدرتها على تحسين جودة الحياة اليومية للمواطنين، وتعزيز ثقتهم في القرارات التي تمس تفاصيل حياتهم.
كما يثير استمرار هذا الجدل سؤالاً أعمق يتعلق بطريقة صناعة القرار العمومي، فالقضايا ذات الأثر المباشر على المجتمع تحتاج إلى قدر أكبر من التواصل، ونشر الدراسات والمعطيات التي بُنيت عليها الاختيارات الحكومية، حتى لا تتحول إلى قرارات تبدو وكأنها تفرض بمنطق الأمر الواقع، دون إشراك فعلي للرأي العام أو فتح نقاش مؤسساتي واسع بشأنها.
وفي هذا السياق، يرى متابعون أن الحكومة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتقديم حصيلة دقيقة وموضوعية حول آثار اعتماد الساعة الإضافية، سواء على الاقتصاد أو على التعليم أو الصحة أو الإنتاجية، حتى يكون النقاش مبنياً على معطيات قابلة للتقييم، لا على مواقف متعارضة يصعب الحسم بينها.
لقد اختارت الحكومة مرة أخرى تغليب منطق الارتباط بالاقتصاد العالمي، معتبرة أن تغيير التوقيت يخضع لاعتبارات تقنية وتنظيمية معقدة. لكن في المقابل، لا يزال جزء كبير من المواطنين يتساءل: إذا كانت السياسات العمومية توضع لخدمة الإنسان أولاً، فأين موقع راحة المواطن وجودة حياته ضمن معادلة الزمن التي تدافع عنها الحكومة؟
ويبقى المؤكد أن ملف الساعة القانونية لن يغادر دائرة الجدل ما دامت الحكومة لم تنجح في بناء قناعة مجتمعية واسعة حول جدوى هذا الاختيار، وما دامت الأسئلة المتعلقة بكلفته الاجتماعية وآثاره اليومية على حياة المواطنين مطروحة بإلحاح.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تقديم الساعة أو تأخيرها، بل في قدرة صانع القرار على تحقيق التوازن بين متطلبات الاقتصاد واحترام انتظارات المجتمع، لأن نجاح السياسات العمومية يقاس بمدى قدرتها على الجمع بين النجاعة الاقتصادية والقبول المجتمعي، لا بالاكتفاء بتبريرات تقنية مهما كانت أهميتها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد