هبة زووم – أحمد الفيلالي
“إن السلطة إذا لم تُسند بالقيم والأخلاق، تصبح مجرد أداة للهدم والتسلط”، وفي هذا السياق، يبدو أن مجلس جماعة الدار البيضاء مقبل على دورة جديدة من الصراع الداخلي، بعدما طغت الحسابات الشخصية والسياسية الضيقة على النقاش المفترض أن ينصب على تدبير شؤون مدينة بحجم العاصمة الاقتصادية للمملكة.
فمع اقتراب الدورة الاستثنائية المرتقبة يوم الاثنين 17 غشت 2026، والتي يتضمن جدول أعمالها 18 نقطة، تتداول أوساط سياسية وجماعية حديثاً عن توتر متصاعد بين عدد من مكونات الأغلبية، وسط حديث عن خلافات بين نائبات العمدة مريم ولهان ونفيسة رمحان ومليكة مزور وسناء الجاوي.
وإذا صحت المعطيات المتداولة حول وجود مساعٍ لعرقلة الدورة أو إفشال انعقادها، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف عابر بين أعضاء مجلس منتخب، بل يطرح سؤالاً أكبر: هل أصبح تدبير شؤون الدار البيضاء رهينة للصراعات الشخصية وتوازنات النفوذ داخل المجلس؟
فالمدينة التي تنتظر حلولاً حقيقية لمشاكل النقل، والنظافة، والإنارة، والملك العمومي، والبنية التحتية، والمرافق والخدمات، لا تحتاج إلى مزيد من المعارك الجانبية بين المنتخبين، بقدر ما تحتاج إلى مجلس يشتغل بعقلية المؤسسات لا بعقلية الولاءات.
والأخطر أن يتحول الخلاف السياسي المشروع إلى محاولة لتصفية الحسابات أو ممارسة الضغط على المخالفين في الرأي. فالاختلاف داخل المجالس المنتخبة أمر طبيعي، بل ضروري، لكن تحويله إلى صراع على المواقع والنفوذ يفرغ العمل الجماعي من مضمونه ويجعل المواطن آخر من يفكر فيه أصحاب القرار.
أما الحديث عن فرض الولاءات داخل المجلس، أو استعمال النفوذ السياسي لإسكات الأصوات المخالفة، فهي اتهامات خطيرة لا ينبغي التعامل معها بمنطق التسريبات أو الكواليس، وإنما تستوجب، إن كانت لها وقائع مادية، تقديم المعطيات والأدلة للرأي العام والجهات المختصة.
فالدار البيضاء ليست ملكاً لهذا الجناح أو ذاك، ومجلسها ليس دكاناً سياسياً لتصفية الحسابات، ولا منصة لتبادل رسائل القوة بين المنتخبين.
وإذا كان جدول أعمال الدورة الاستثنائية يتضمن 18 نقطة، فإن السؤال الحقيقي ليس من سينتصر في معركة مريم ولهان مع هذه النائبة أو تلك، وإنما: هل سينتصر المجلس في النهاية لمصالح سكان الدار البيضاء؟
المواطن البيضاوي لا تعنيه كثيراً خرائط التحالفات داخل المجلس، ولا يعنيه من يضغط على من، ومن يملك مفاتيح الأغلبية، ومن يحاول إسقاط هذه الدورة أو تمريرها. ما يعنيه هو أن يرى أثراً حقيقياً للانتداب الانتخابي الذي منحه لأعضاء المجلس.
أما تحويل المجلس إلى ساحة للحروب الشخصية، وإغراقه في صراعات النفوذ والولاءات، فذلك ليس سياسة ولا حكامة، وإنما هروب من جوهر المسؤولية.
والأصل أن تكون الخلافات داخل المؤسسات محكومة بالقانون والشفافية والتصويت الديمقراطي، لا بالضغط والكولسة والابتزاز السياسي.
وإذا كانت هناك فعلاً محاولات لتعطيل مؤسسة منتخبة خدمةً لحسابات شخصية، فإن الأمر يستوجب كشف الحقيقة كاملة، بعيداً عن لغة التسريبات والرسائل المشفرة.
فالدار البيضاء أكبر من صراعات الأشخاص، وأهم من طموحاتهم السياسية، وما تحتاجه اليوم ليس «حرباً» بين نائبات العمدة، وإنما مجلساً يشتغل، وأغلبية تتحمل مسؤوليتها، ومعارضة تراقب، ومؤسسة تحترم القانون، ومواطن يرى نتائج ملموسة على أرض الواقع، أما غير ذلك، فلن يكون سوى فصل جديد من مسلسل سياسي طويل يدفع المواطن وحده ثمنه.
تعليقات الزوار