الحسيمة.. من يحمي الملك العمومي البحري من سطوة الأمر الواقع؟

أشرف اشهبار – الحسيمة
في الحسيمة، يبدو أن هناك من يريد إقناع المواطنين بأن القانون يمكن أن يأخذ عطلة صيفية، وأن الملك العمومي البحري يمكن أن يتحول، خلال أشهر الاصطياف، إلى مساحة مفتوحة لمنطق الأمر الواقع، تحت ذريعة أن بعض المهنيين “ليس لديهم سوى شهرين للعيش”.
لكن منذ متى أصبحت الحاجة الاقتصادية مبرراً لاحتلال الملك العمومي؟ ومنذ متى أصبح المواطن مطالباً بدفع ثمن الاستجمام في شاطئ يفترض أنه ملك للجميع؟
هذه ليست أسئلة هامشية، بل أسئلة تمس جوهر الحكامة وتطبيق القانون، خصوصاً عندما تتكرر مظاهر الاستغلال غير المنظم للفضاءات البحرية، وتتعالى شكايات المواطنين بشأن التضييق على حقهم في الاستفادة من الشاطئ.
المشكلة ليست في أن يعمل المهني، ولا في أن يبحث عن مورد رزق خلال الموسم الصيفي. فمن حق أي مواطن أن يشتغل وأن يحسن دخله بطرق قانونية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحق المشروع إلى مبرر لمصادرة حق الآخرين.
وإذا كانت السلطات تتفهم الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمهنيين، فإن عليها في الوقت نفسه أن تتفهم أن المواطن الذي يأتي إلى الحسيمة لقضاء عطلته ليس مواطناً من الدرجة الثانية، وأن له الحق نفسه في الاستجمام، والجلوس، والولوج إلى الشاطئ، دون أن يشعر بأنه مطالب بالتفاوض مع هذا الطرف أو ذاك من أجل الحصول على مكان في فضاء عمومي.
الأكثر إثارة للقلق هو أن بعض مظاهر الفوضى، بحسب شكايات ومعطيات متداولة محلياً، لا تبدو دائماً مجرد حالات فردية، بل توحي أحياناً بوجود شعور لدى بعض المستغلين بأنهم محميون أو محصنون من المساءلة.
وهنا تحديداً ينبغي أن تتدخل السلطة، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في تدبير الملك العمومي ليس وقوع المخالفة، وإنما أن يقتنع مرتكبها بأن المخالفة لن تكون لها عواقب.
فعندما يحتل شخص مساحة من الشاطئ، ثم يأتي آخر ويكرر الأمر، وبعده ثالث، فإننا لا نكون أمام مخالفة معزولة، وإنما أمام بداية تأسيس عرف جديد، وبعد فترة، يتحول العرف إلى أمر واقع، ثم يصبح الأمر الواقع أقوى من القانون، وهنا تكون الإدارة قد خسرت المعركة قبل أن تبدأ.
إن حماية الملك العمومي البحري لا يمكن أن تقوم على حملات موسمية ظرفية، ولا على تحرير بعض المساحات ثم تركها تعود إلى الوضع نفسه بعد أيام. المطلوب هو مراقبة مستمرة، وترخيص واضح، وحدود معلومة، وتطبيق موحد للقانون.
فإذا كان هناك استغلال مرخص، فليكن المواطن على علم بذلك، وإذا كانت هناك شروط للاستغلال، فلتكن معلنة، وإذا كان هناك تجاوز، فليترتب عنه الجزاء القانوني، أما المنطقة الرمادية التي لا يعرف فيها المواطن أين يبدأ الترخيص وأين تنتهي المخالفة، فهي البيئة المثالية لنمو الفوضى، والأمر يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق بالنساء والعائلات والأطفال.
فالشاطئ ليس فضاءً تجارياً فقط، وليس سوقاً موسمياً مفتوحاً أمام كل أشكال الاستغلال، بل هو أيضاً فضاء للراحة والاستجمام، ومن حق الأسر أن تستفيد منه في ظروف تحفظ كرامتها وخصوصيتها، ولا يمكن أن يصبح المواطن أسيراً لمنطق “الأمر الواقع” داخل فضاء عمومي.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على المستغلين الذين قد يثبت تورطهم في مخالفات، وإنما أيضاً على كل جهة إدارية أو محلية تتوفر على صلاحيات المراقبة والتنظيم ولا تتدخل بالقدر الكافي.
فالسكوت عن الفوضى ليس حياداً، والتأخر في تطبيق القانون ليس دائماً مجرد تأخر إداري، بل قد يتحول إلى تشجيع غير مباشر على تكرار المخالفة، ومن حق الرأي العام أن يعرف: من يراقب الملك العمومي البحري؟ كم عدد الرخص الممنوحة؟ ما هي المساحات المرخص باستغلالها؟ ما هي الشروط المفروضة على أصحابها؟ وما هي الإجراءات المتخذة في حق المخالفين؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل أسئلة طبيعية في دولة يفترض أن تقوم حكامتها على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، أما الاستمرار في تبرير الفوضى بالحاجة إلى الرزق، فهو منطق خطير لأنه يضع المواطنين في مواجهة بعضهم البعض.
لماذا يكون رزق شخص مبرراً لسلب حق شخص آخر؟ ولماذا يُطلب من المواطن أن يتحمل التضييق لأنه “غير موسم”، بينما يفترض أن يكون القانون حاضراً في كل المواسم؟
فإذا كانت هناك أزمة اقتصادية، فالحل هو تنظيم النشاط الاقتصادي، لا تحرير الملك العمومي من الضوابط، وإذا كانت هناك بطالة، فالحل هو خلق فرص العمل، لا تحويل الشواطئ إلى مجالات شبه خاصة، وإذا كانت الحسيمة تحتاج إلى إنعاش اقتصادي، فذلك يقتضي حكامة سياحية حقيقية تجعل الشاطئ رافعة للتنمية، لا مصدراً للاحتقان.
الحسيمة اليوم لا تحتاج إلى سلطة تتفرج على الفوضى حتى تستفحل، ثم تتحرك عندما يصبح التدخل مكلفاً، تحتاج إلى سلطة تستبق، تراقب، توضح، تنظم، وتطبق القانون على الجميع دون استثناء.
فالهيبة الحقيقية للإدارة لا تقاس بعدد الحملات التي تنظمها، وإنما بقدرتها على جعل المواطن يشعر بأن القانون يحميه، وأن الملك العمومي ملك له كما هو ملك لغيره.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح هو: هل شواطئ الحسيمة ملك عمومي يستفيد منه الجميع، أم أنها تتحول تدريجياً إلى مساحات يتحكم فيها من يفرض الأمر الواقع؟ الجواب لا يحتاج إلى بلاغات، يحتاج إلى الميدان، فإما أن يكون القانون سيد الشاطئ، وإما أن يترك المكان لمنطق القوة والاستغلال.
وبين الخيارين، لا يمكن أن تكون هناك دولة قانون بنصف حضور، ولا ملك عمومي بنصف حماية، الحسيمة تستحق شواطئ مفتوحة للجميع، وسلطة لا تساوم على القانون، وتنمية لا تقوم على التضييق على المواطن، بل على حماية حقه وكرامته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد