بنكيران يغلق الباب أمام حكومة البام ويتوعد بإسقاطها وإعادة الانتخابات

هبة زووم – الرباط
لم ينتظر عبد الإله بنكيران طويلاً بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية ليرسم ملامح تموقع حزبه في المرحلة السياسية المقبلة. فقد أعلن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن مشاركة «المصباح» في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة غير مطروحة بالنسبة إليه، معتبراً أن هذا الموقف يمثل قناعة حاسمة سيعرضها على المجلس الوطني للحزب للحسم فيها رسمياً.
موقف بنكيران لا يقف عند حدود رفض المشاركة الحكومية، بل يفتح الباب أمام معارضة هجومية منذ اليوم الأول، خصوصاً أن الأمين العام للعدالة والتنمية شكك في الظروف التي أفرزت تصدر البام للانتخابات، وذهب إلى وصف النصر الانتخابي للحزب بأنه “ملطخ” بما اعتبره تزويراً للصناديق، متحدثاً عن وقائع قال إنها حدثت في طنجة، ومشيراً إلى احتمال وجود وقائع مماثلة في دوائر أخرى.
لكن هنا تبدأ النقطة الأكثر حساسية، اتهام التزوير ليس حكماً قضائياً، فالوقائع التي تحدث عنها بنكيران تحتاج إلى أدلة وتحقيقات وقرارات صادرة عن الجهات المختصة، ولا يمكن تحويل الاتهام السياسي، مهما كانت حدته، إلى حقيقة ثابتة قبل استكمال المساطر القانونية.
وفي هذا السياق، أُعلن عن فتح بحث قضائي بطنجة بشأن واقعة انتخابية، وهو ما يعني أن هناك مساراً للتحقق من الوقائع، وليس أن التزوير ثبت قضائياً، أما سياسياً، فإن بنكيران يبدو أنه اختار منذ الآن التموضع في صفوف المعارضة، حتى قبل أن تتشكل الحكومة المقبلة بشكل نهائي.
فحزب الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج المعلنة بـ97 مقعداً، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 للاستقلال، فيما حصل «العدالة والتنمية» على 54 مقعداً. وهذه الخريطة تضع «البام» أمام مهمة بناء أغلبية برلمانية، في الوقت الذي أعلن فيه بنكيران أن حزبه لن يكون جزءاً من حكومة يقودها الحزب المتصدر.
واللافت أن بنكيران لم يكتف بإعلان المعارضة، بل وصف البام بأنه “حزب خطير”، مؤكداً أن الحكومة التي سيقودها، وفق تقديره، لن تنجح، ومعلناً الاستعداد للعمل على إسقاطها والدفع نحو انتخابات جديدة.
وهنا تنتقل المواجهة من سؤال المشاركة الحكومية إلى سؤال أكبر: هل نحن أمام معارضة مؤسساتية ستراقب الحكومة وتحاسبها وتقترح البدائل، أم أمام مواجهة سياسية مفتوحة عنوانها إسقاط الحكومة وإعادة الانتخابات؟
المعارضة، من الناحية الدستورية والسياسية، جزء أساسي من النظام البرلماني، ومراقبة الحكومة ومساءلتها حق أصيل للفرق المعارضة. لكن إسقاط أي حكومة لا يتم بالشعارات، وإنما عبر الآليات الدستورية والسياسية التي تحكم العلاقة بين الحكومة والبرلمان.
ومن جهة أخرى، فإن خطاب بنكيران يضع العدالة والتنمية أمام امتحان مختلف هذه المرة. فالحزب تمكن من استعادة حضور برلماني أكبر بكثير مقارنة بنتائج 2021، وانتقل من 13 مقعداً إلى 54 وفق النتائج المعلنة، وهو ما اعتبره بنكيران عودة سياسية وتنظيمية للحزب.
لكن استعادة المقاعد شيء، وتحويلها إلى تأثير سياسي ومؤسساتي شيء آخر، فإذا اختار المصباح المعارضة، فإن الناخبين سيترقبون منه أكثر من رفع سقف الخطاب: ملفات دقيقة، أسئلة برلمانية، مقترحات تشريعية، مساءلة للحكومة، تتبع للسياسات العمومية، وبدائل قابلة للنقاش.
أما معركة “التزوير”، فإنها بدورها تحتاج إلى أن تنتقل من المنبر السياسي إلى المؤسسات المختصة: أين الوقائع؟ أين المحاضر؟ أين الشكايات؟ وما الذي ستقوله التحقيقات؟ ذلك أن التشكيك في نزاهة الانتخابات مسألة بالغة الخطورة، لأنه لا يمس حزباً بعينه فقط، بل يمس الثقة في المؤسسات المنتخبة برمتها.
وبالمقابل، فإن تصدر “البام” للانتخابات لا يعني حصوله على شيك على بياض، كما أن حصول العدالة والتنمية على 54 مقعداً لا يمنحه وحده حق تحديد طبيعة المرحلة المقبلة.

النتائج أفرزت خريطة جديدة، والحكومة المقبلة ستحتاج إلى أغلبية، والمعارضة ستحتاج إلى أدواتها.

أما بنكيران فقد اختار مبكراً أن يضع «المصباح» في الجهة المقابلة للحكومة المحتملة.

**الآن يبدأ الامتحان الحقيقي: هل يستطيع «العدالة والتنمية» أن يحول غضبه السياسي إلى معارضة مؤسساتية قوية، وأن يثبت ما يقوله بالأدلة والملفات، أم ستبقى معركة «البام» و«المصباح» محكومة بالتصريحات النارية أكثر مما تحكمها أدوات البرلمان؟**

المرحلة المقبلة لن تحسمها الخطب وحدها، وإنما ستكشفها الممارسة داخل المؤسسات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد