الكنبوري يهاجم “الغموض الأممي” ويحذر من توظيف المجلس الانتقالي لصالح البوليساريو

هبة زووم – الرباط
أعاد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن قضية الصحراء المغربية، الصادر في فاتح أكتوبر الجاري، إشعال النقاش حول مستقبل المسار السياسي للملف، خصوصاً بعد كشف التقرير عن بحث المشاركين في المفاوضات إمكانية إنشاء “مجلس انتقالي” وإعداد اتفاق إطار لمرحلة انتقالية محتملة.
وفي تدوينة جديدة، توقف الباحث والأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري عند هذه التطورات، معتبراً أن الصيغة الجديدة تطرح أسئلة سياسية ودبلوماسية عميقة حول طبيعة المرحلة المقبلة ومآلات المسار التفاوضي.
ويرى الكنبوري أن توقيت هذا التطور يكتسب أهمية خاصة، خصوصاً أنه جاء بعد أيام قليلة من تصريحات المبعوث الأمريكي مسعد بولس، الذي أكد أنه لا توجد في الوقت الراهن “حلول وشيكة” للنزاع، رغم تأكيده استمرار الموقف الأمريكي الداعم لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وبالنسبة إلى الكنبوري، فإن الجمع بين المعطيين، أي الحديث عن ترتيبات انتقالية من جهة، والإقرار بعدم وجود تسوية قريبة من جهة أخرى، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تطول فيها المفاوضات بدل أن تفضي سريعاً إلى تسوية نهائية.
ويضع الباحث مفهوم “المجلس الانتقالي” في قلب علامات الاستفهام، متسائلاً عن طبيعة هذا المجلس، والجهة التي ستقوده، والمدة التي سيستغرقها، والصلاحيات التي يمكن أن تمنح له، فضلاً عن الضمانات التي تحول دون تحوله إلى منصة سياسية تمنح جبهة البوليساريو، حسب قراءته، شرعية إضافية داخل مسار التسوية.
غير أن المعطى الذي يستحق التدقيق هو أن التقرير الأممي لا يعلن إنشاء المجلس الانتقالي، بل يتحدث عن مناقشة إمكانية إنشائه ضمن ترتيبات مرحلة انتقالية محتملة، كما أن المفاوضات تناولت بالتوازي قضايا السيادة وتقرير المصير والضمانات الدولية وتقاسم الموارد ونزع السلاح والمصالحة.
وهنا تحديداً يرى الكنبوري أن اللغة الأممية، بما تتضمنه من مصطلحات قابلة لتفسيرات متعددة، تترك مساحات واسعة للتأويل، فالسؤال، وفق هذا المنظور، لا يتعلق فقط باسم المجلس، وإنما بما سيأتي بعده: هل سيكون مجرد آلية انتقالية لتنزيل حل سياسي قائم على الحكم الذاتي، أم سيتحول إلى منصة لإعادة فتح طبيعة الحل نفسه؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية أكبر بالنظر إلى أن تقرير غوتيريش نفسه يشير إلى أن المغرب قدم خلال المفاوضات نسخة موسعة من مقترح الحكم الذاتي الذي طرحه سنة 2007، وأن هذا المقترح ظل أساساً للمباحثات في إطار قرار مجلس الأمن رقم 2797. وبالتالي فإن القول بأن الحكم الذاتي أصبح “متجاوزاً” يبقى قراءة سياسية للتطورات، وليس خلاصة صريحة للتقرير الأممي.
لكن الكنبوري يذهب أبعد من ذلك، رابطاً التطورات الحالية بالرهان المغربي على الموقف الأمريكي منذ الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020.
ويعتبر الباحث أن تصريحات مسعد بولس حول عدم وجود حل وشيك تفرض إعادة تقييم كثير من الرهانات التي بنيت على الاعتراف الأمريكي، خصوصاً أن واشنطن، رغم استمرار تأكيدها الرسمي دعم الحكم الذاتي، تبدو أمام مسار تفاوضي لم يصل بعد إلى اتفاق نهائي. وقد أكد بولس أن الموقف الأمريكي “واضح”، مستنداً إلى الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية، لكنه أقر في الوقت نفسه بعدم وجود حل يمكن استشرافه في المدى القريب.
ومن هنا ينتقل الكنبوري إلى انتقاد أكثر حدة للرهان المغربي على الولايات المتحدة، معتبراً أن التجربة تفرض الحذر من تحويل الموقف الأمريكي إلى ضمانة نهائية للحسم في قضية الصحراء.
ويستحضر في هذا السياق اتفاق التطبيع الثلاثي المغربي–الأمريكي–الإسرائيلي، معتبراً أن المغرب راهن على الاعتراف الأمريكي كعنصر حاسم في دعم موقفه، قبل أن تظهر تعقيدات المسار التفاوضي الحالي.
كما يوجه الكنبوري انتقادات حادة إلى إسرائيل، معتبراً أن توظيف العلاقات مع المغرب لم يكن بالضرورة متطابقاً مع الأولويات المغربية في قضية الصحراء، قبل أن يستخلص أن الرهان على القوى الكبرى يجب أن يظل محكوماً بقراءة مصالحها الاستراتيجية المتغيرة، لا بمجرد الوعود السياسية.
ويستحضر الباحث تجربة اتفاقيات كامب ديفيد ومقولة الرئيس المصري الراحل أنور السادات حول امتلاك الولايات المتحدة الجزء الأكبر من أوراق الحل، ليخلص إلى تحذير أوسع من وضع مصير الملفات الاستراتيجية العربية في يد القوة الأمريكية.
وبينما ذهب الكنبوري إلى وصف ما يحدث بأنه “مؤامرة ضد المغرب”، فإن هذا الوصف يظل تقييماً سياسياً يعبر عن موقف صاحب التدوينة، وليس حقيقة مثبتة في التقرير الأممي أو في التصريحات الأمريكية.
أما المؤكد، فهو أن قضية الصحراء دخلت في 2026 مرحلة تفاوضية مختلفة: ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة انعقدت خلال الربع الأول من السنة، وجرى الانتقال من تبادل المواقف العامة إلى مناقشة ترتيبات أكثر تفصيلاً، بينها فكرة المجلس الانتقالي واتفاق إطار لمرحلة انتقالية محتملة، في وقت لا تزال فيه قضايا السيادة وتقرير المصير والضمانات الدولية محل خلاف.
وبذلك، فإن السؤال الذي تطرحه تدوينة إدريس الكنبوري يتجاوز مجرد المجلس الانتقالي إلى طبيعة المرحلة المقبلة برمتها: هل نحن أمام آلية انتقالية تمهد لتسوية تقوم على الحكم الذاتي، أم أمام إعادة هندسة تدريجية لمسار التفاوض قد تفتح الملف من جديد على احتمالات أكثر تعقيداً؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه، ليس لغة التقارير وحدها، وإنما مخرجات المفاوضات والقرارات التي ستصدر عن مجلس الأمن خلال المرحلة المقبلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد