حين يصبح الحوار السياسي موضع جدل.. جامع كلحسن أمام اختبار المهنية والقناة الثانية أمام مسؤولية الاختيار

هبة زووم – الدار البيضاء
أثار حضور الإعلامي جامع كلحسن في عدد من الحوارات السياسية التي تبثها القناة الثانية نقاشاً بشأن طبيعة إدارة النقاش السياسي التلفزيوني، ومدى قدرة بعض البرامج على توفير شروط الحوار المهني الذي يجمع بين قوة السؤال، ودقة المعطيات، والحياد في التعامل مع الضيوف، والقدرة على إدارة الاختلاف دون تحويل النقاش إلى مواجهة لا تخدم المشاهد.
فالحوار السياسي ليس مجرد سلسلة من الأسئلة المتتالية، ولا استعراضاً للحضور أمام الكاميرا، بل مسؤولية إعلامية تقتضي معرفة دقيقة بالملفات المطروحة، وإعداداً مسبقاً للموضوع والضيف، وقدرة على ترتيب الأسئلة ومتابعة الأجوبة واختبار المواقف بالوقائع والأرقام، مع ضمان حق الضيف في تقديم وجهة نظره كاملة قبل مساءلته عن تناقضاتها أو حدودها.
وبحسب انتقادات يعبّر عنها بعض المتابعين، فإن أداء جامع كلحسن في بعض الحوارات لم ينجح دائماً في إقناع جزء من الجمهور بمدى تحقق هذا التوازن، خصوصاً في الملفات السياسية الحساسة التي تتطلب إدارة دقيقة للنقاش، وتدخلاً محسوباً من المحاور، يضمن عدم ضياع جوهر الموضوع وسط التوتر أو المقاطعات المتكررة.
غير أن اختزال النقاش في شخص المحاور وحده قد يحجب السؤال الأهم: هل يتعلق الأمر بأداء فردي، أم بطريقة إعداد البرامج السياسية داخل المؤسسة الإعلامية، وبالمعايير المعتمدة لاختيار من يتولى محاورة الفاعلين السياسيين ومساءلتهم أمام الرأي العام؟
القناة الثانية.. مسؤولية تتجاوز اختيار الوجه التلفزيوني
باعتبارها مؤسسة إعلامية وطنية ذات حضور واسع، تتحمل القناة الثانية مسؤولية الارتقاء بمستوى حواراتها السياسية، ليس فقط من خلال استضافة أسماء وازنة، بل أيضاً عبر ضمان جودة الإعداد، ووضوح محاور النقاش، ودقة المعلومات، والتوازن في إدارة الوقت، والقدرة على مساءلة الضيوف دون مصادرة أجوبتهم.
فالحضور التلفزيوني وحده لا يكفي لقيادة حوار سياسي ناجح، كما أن الجرأة في طرح الأسئلة لا تعني بالضرورة امتلاك أدوات المحاورة. وبين الأمرين توجد مساحة واسعة من العمل الصحفي الذي يتطلب معرفة بالملفات، وإلماماً بالسياق السياسي والمؤسساتي، وقدرة على التمييز بين السؤال الذي يكشف حقيقة أو تناقضاً، والسؤال الذي يكتفي بإثارة التوتر دون إضافة معرفية حقيقية.
ومن هنا، تبدو الحاجة قائمة إلى نقاش مهني داخل المؤسسات الإعلامية حول معايير إسناد البرامج السياسية، ومدى اعتماد الخبرة والتخصص والتكوين المستمر، فضلاً عن تقييم الحلقات على أساس جودة المضمون وأثره في النقاش العمومي، لا على حجم التفاعل الذي تحققه المقاطع المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي.
المشاهد يريد مساءلة بالحجة لا مواجهة أمام الكاميرا
في سياق سياسي يتسم بتعدد الملفات المرتبطة بالانتخابات وتشكيل الحكومة ومستقبل الأحزاب والسياسات العمومية، ينتظر المشاهد المغربي من البرامج السياسية أكثر من أسئلة عامة وأجوبة جاهزة، إنه يريد صحافة تستند إلى الأرقام والوثائق، وتواجه السياسي بتصريحاته السابقة، وتختبر مدى انسجام مواقفه مع الوقائع، وتمنحه في الوقت نفسه فرصة الرد والتوضيح.
فالمحاور الناجح ليس من يرفع منسوب التوتر داخل الاستوديو، بل من يستطيع تحويل الاختلاف إلى معرفة، والإجابة المراوغة إلى سؤال أكثر دقة، والتصريح السياسي إلى موضوع قابل للفحص والمساءلة، كما أن الحياد لا يعني غياب الأسئلة الصعبة، وإنما يعني تطبيق المعايير نفسها على مختلف الضيوف، دون انتقائية أو أحكام مسبقة.
وإذا كان بعض المتابعين ينتقدون طريقة إدارة عدد من الحوارات التي يقودها جامع كلحسن، فإن هذه الانتقادات تظل مدخلاً لنقاش أوسع حول جودة البرامج السياسية، وليس حكماً نهائياً على المسار المهني للإعلامي أو على مجمل أدائه.
من يتحمل مسؤولية تطوير الحوار السياسي؟
إن مساءلة المحاور عن أدائه حق مشروع، لكنها لا تعفي إدارة القناة من مسؤوليتها في توفير شروط النجاح، من خلال الإعداد الجيد، والتكوين المتخصص، والتقييم المهني المنتظم، ووضع معايير واضحة تضمن أن يكون الحوار مساحة لتقديم المعلومات ومساءلة مراكز القرار، لا مجرد مادة لإثارة الجدل.
كما أن الحكم على أي تجربة إعلامية يقتضي الاستناد إلى أمثلة محددة من الحلقات وطبيعة الأسئلة والأجوبة وكيفية تدبير الوقت والاختلاف، بدلاً من الاكتفاء بانطباعات عامة أو تعميمات لا تتيح تقييماً موضوعياً للأداء.
وفي النهاية، لا يحتاج الإعلام المغربي إلى محاورين يتجنبون الأسئلة المحرجة، ولا إلى حوارات تتحول فيها الجرأة إلى غاية في حد ذاتها، بل إلى صحافة سياسية قادرة على مساءلة الجميع بالحجة، وإدارة الاختلاف بمهنية، واحترام ذكاء المشاهد وحقه في الحصول على معلومات تساعده على تكوين موقفه.
ويبقى السؤال المطروح أمام القناة الثانية: هل تقاس جودة الحوار السياسي بقدرة البرنامج على خلق الجدل، أم بقدرته على تقديم نقاش رصين يكشف المعطيات، ويفحص المواقف، ويمنح الجمهور قيمة مضافة حقيقية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد