هبة زووم – محمد أمين
حين تتداخل الصورة بالسلطة في وجدة، تصبح النتيجة شبه محسومة: مصالح شخصية، علاقات محسوبة بدقة، وشبكات نفوذ صغيرة تُنسَج في الهامش، بينما جمعيات “موسمية” لا تستيقظ إلا عندما تُشغَّل الكاميرات وتبدأ الأضواء في الدوران.
في هذا السياق، لم يعد بعض عمال الجهة الشرقية، ممن يُتداول اسمهم في الكواليس، يديرون شؤون العمالة بالمعنى المؤسساتي الصارم، بقدر ما يديرون شبكات علاقات تستثمر في الحضور الإعلامي، وتوظف الصورة كعملة رمزية لكسب نقاط هنا، وامتيازات هناك، أو لتلميع مسارات إدارية في أفق “التعيين اللاحق” أو “التنويه المركزي” أو حتى لإبعاد الشبهات.
لقد وجد هؤلاء في الكاميرا أقصر طريق للعبور، وأسرع جسر نحو النجاة الفردية في زمن مرتبك، فصاروا يلجؤون إليها كما يلجأ الغريق إلى خشبة عائمة، لا بحثًا عن التواصل المؤسساتي، بل عن الظهور، وعن تثبيت صورة ذاتية تُسوَّق أكثر مما تُحاسَب.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد المغرب تحولاً غير مسبوق في طبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام الرقمي؛ تحوّل لم يكن ليُقلق لولا أنه تزامن مع بروز سلوكيات شاذة في أداء بعض المسؤولين الترابيين، وعلى رأسهم بعض العمال.
فبدل أن يكون العامل رجل دولة، منكبًا على قضايا السكن، والتهيئة، والنقل، والهشاشة الاجتماعية، وجدنا نماذج منشغلة بـ”اللايف” و”التراند”، تخوض معارك يومية من أجل الظهور، والتصوير، والتصدر.
لقد انقلبت القيم لدى بعضهم؛ فصارت شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي تعرض صور العمال وتصريحاتهم وأنشطتهم الجزئية، أكثر مما يظهر رأس الدولة نفسه.
وهو وضع لا يمكن اختزاله في مجرد خلل بروتوكولي عابر، بل يعكس مساسًا خطيرًا بهيبة المؤسسات، وتفريغًا للسلطة من بعدها الرمزي الذي يمنحها معناها ووظيفتها.
فالسلطة، في جوهرها، ليست استعراضًا ولا “مشهديّة” يومية، بل مسؤولية ثقيلة، واشتغال صامت، ونتائج تُقاس على الأرض لا بعدد المشاهدات.
وعندما تتحول الولاية إلى منصة تصوير، والوالي إلى “نجم محتوى”، تصبح الصحافة مجرد ديكور، وتتحول “النكافة” إلى بديل مشوَّه عن الإعلام، في مفارقة تختزل أزمة أعمق في فهم السلطة لوظيفتها وحدودها.
تعليقات الزوار