هبة زووم – أحمد الفيلالي
في المغرب، يبدو أن إغلاق الملاعب بداعي الصيانة لم يعد استثناءً تفرضه الضرورة، بل تحول إلى سيناريو متكرر يربك الأندية، ويستنزف مواردها المالية، ويضع جماهيرها أمام الأمر الواقع، دون أن تكون هناك، في كل مرة، أجوبة واضحة بشأن توقيت الأشغال، والجهات المسؤولة عن البرمجة، والضمانات التي تحمي مصالح الفرق والمشجعين.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في ظل تكرار هذه الوضعية، هو: كيف يمكن الحديث عن احتراف كرة القدم المغربية، بينما تظل الأندية عاجزة عن ضمان أبسط شروط الاستقرار، وعلى رأسها معرفة الملعب الذي ستستقبل فيه مبارياتها؟
إن إغلاق الملاعب خلال الموسم الرياضي لا يتعلق بمجرد أشغال تقنية أو إصلاحات عادية، بل بقرارات لها انعكاسات مالية وتنظيمية مباشرة، خصوصاً عندما تأتي دون تنسيق مسبق كافٍ مع الأندية، أو دون تقديم بدائل تضمن استمرار المنافسات بأقل الأضرار الممكنة.
البيضاويون طالبوا بالتغيير.. فمن يحمي مصالحهم اليوم؟
جماهير الرجاء والوداد ليست مجرد أرقام في مدرجات الملاعب، بل تشكل ركيزة أساسية في المنظومة الكروية، سواء من خلال مداخيل التذاكر والاشتراكات، أو عبر الحضور الجماهيري الذي يمنح المنافسات قيمتها الرياضية والتجارية.
وعندما تجد هذه الجماهير نفسها أمام إغلاق الملاعب أو تغيير أماكن المباريات، فإن السؤال لا يتعلق فقط بصعوبة التنقل إلى مدن أخرى، بل أيضاً بمصير الالتزامات التي سبق أن قطعتها الأندية على نفسها تجاه المشجعين الذين اقتنوا بطاقات الاشتراك، بمن فيهم من دفعوا مبالغ إضافية مقابل الاستفادة من فضاءات أو خدمات محددة.
فمن يتحمل مسؤولية الإخلال بهذه الالتزامات؟ وهل توجد آليات واضحة لتعويض المتضررين أو ضمان استفادتهم من حقوقهم؟ ولماذا يُترك النادي، في كثير من الأحيان، لمواجهة غضب جماهيره، بينما تكون قرارات الإغلاق أو تغيير الملاعب مرتبطة بتدبير المنشآت الرياضية خارج إرادته المباشرة؟
أما ربط هذه القرارات بفكرة الانتقام من جماهير الدار البيضاء التي رفعت أصواتها مطالبة بالتغيير، فهو اتهام يحتاج إلى أدلة واضحة، ولا يمكن اعتباره حقيقة ثابتة لمجرد تزامن المطالب الجماهيرية مع إغلاق الملاعب. لكن غياب التوضيحات الكافية، إن ثبت، يفتح الباب أمام التأويلات ويزيد من حدة الاحتقان.
الرجاء والوداد والمغرب الفاسي.. أزمة تتجاوز حدود الملعب
اضطر الرجاء الرياضي والوداد الرياضي، خلال فترات سابقة، إلى استقبال مبارياتهما خارج مركبهما المعتاد، في وضعية فرضت تحديات تنظيمية وجماهيرية ومالية.
واليوم، تطرح وضعية المغرب الفاسي، وفق المعطيات الواردة في هذا الملف، أسئلة جديدة بشأن مدى استعداد المنظومة الرياضية لتدبير احتياجات الأندية عندما تتزامن الأشغال مع استحقاقات رسمية وقارية.
فكيف يعقل أن تصل الأندية إلى مواعيد تنافسية مهمة وهي مضطرة إلى البحث عن ملعب بديل، أو إعادة ترتيب لوجستياتها في وقت ضيق؟ وأين تكمن مسؤولية التخطيط المسبق والتنسيق بين الجهات المشرفة على المنشآت والهيئات المنظمة للمنافسات؟
إن الصيانة والتأهيل ضرورة لا يمكن الاعتراض عليها من حيث المبدأ، لكن المشكلة تبدأ عندما لا تكون هناك برمجة واضحة، أو عندما تتحول الأشغال إلى عامل مفاجئ يربك الموسم الرياضي، ويضع الفرق أمام خسائر وتكاليف إضافية لم تكن محسوبة ضمن ميزانياتها.
احتراف الأندية أم تحميلها كلفة قرارات لا تتحكم فيها؟
تطالب المنظومة الكروية الأندية بالانتقال إلى نموذج الشركات الرياضية، واعتماد حكامة مالية وإدارية أكثر صرامة، وتنويع مصادر الدخل، والالتزام بدفاتر التحملات. وهي مطالب مشروعة في إطار إصلاح كرة القدم، لكنها تثير مفارقة كبيرة عندما لا تتوفر للأندية الشروط الضرورية لتنفيذ التزاماتها.
فكيف يمكن لشركة رياضية أن تضع توقعات دقيقة لمداخيلها السنوية، بينما تظل إمكانية استقبال مبارياتها في ملعبها رهينة قرارات قد تتغير خلال الموسم؟ وكيف يمكنها التخطيط لعائدات التذاكر والاشتراكات والإشهار، إذا كانت مضطرة إلى نقل مبارياتها أو تغيير ترتيباتها التنظيمية؟
إن الاحتراف لا يعني فقط مراقبة حسابات الأندية ومطالبتها بأداء مستحقات اللاعبين والمدربين واحترام العقود، بل يقتضي أيضاً توفير بيئة مؤسساتية مستقرة، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين.
أما أن تتحمل الأندية وحدها تبعات قرارات لا تملك التحكم فيها، ثم تُحاسب على تراجع مداخيلها أو اضطراب علاقتها بجماهيرها، فذلك يطرح سؤالاً جدياً حول عدالة توزيع المسؤوليات داخل المنظومة الرياضية.
فوزي لقجع والجهات المشرفة.. أين تبدأ المسؤولية؟
إن تكرار إغلاق الملاعب يفرض مساءلة الجهات المكلفة بتدبير المنشآت الرياضية وبرمجة الأشغال، كما يطرح مسؤولية الهيئات التي تشرف على تطوير كرة القدم الوطنية وتنسيق عمل مختلف المتدخلين، وفي مقدمتها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، التي يرأسها فوزي لقجع، كلٌّ في حدود اختصاصاته وصلاحياته.
والمطلوب ليس إطلاق اتهامات شخصية أو افتراض وجود حسابات انتقامية، بل تقديم أجوبة مؤسساتية واضحة: من يقرر توقيت إغلاق الملاعب؟ هل تُنسق الأشغال مع الأندية والجهات المنظمة للمنافسات؟ هل تُقيّم الخسائر المالية المحتملة قبل اتخاذ القرار؟ وهل توجد آلية تضمن معالجة الأضرار التي قد تلحق بالأندية والجماهير؟
هذه أسئلة مشروعة، خصوصاً في مرحلة يُرفع فيها شعار تحديث كرة القدم والارتقاء بها إلى مستويات الاحتراف. فلا يمكن أن تقتصر الحكامة على الأندية وحدها، بينما تظل مسؤولية تدبير المنشآت والبرمجة والتنسيق خارج دائرة المساءلة الواضحة.
من يحاسب عن الخسائر؟
الأضرار المحتملة لإغلاق الملاعب لا تتوقف عند تغيير مكان المباراة، بل قد تشمل تراجع مداخيل التذاكر، واضطراب عقود الشراكة والإشهار، وارتفاع تكاليف التنقل والاستقبال، فضلاً عن تضرر العلاقة بين الأندية وجماهيرها.
ومن هنا، تبرز ضرورة وضع قواعد واضحة لتوزيع المسؤوليات، وتحديد الجهة التي تتحمل التكاليف الإضافية عندما يكون الإغلاق ناتجاً عن قرارات أو أشغال خارجة عن إرادة النادي، مع مراعاة طبيعة كل حالة والالتزامات التعاقدية والقانونية المرتبطة بها.
كما ينبغي الإعلان عن برامج الصيانة والتأهيل مسبقاً، وتوفير بدائل عملية، وإشراك الأندية في القرارات التي تمس برمجتها ومداخيلها، بدل تركها أمام حلول اضطرارية قد تكلفها أكثر مما تحتمله ميزانياتها.
فالاحتراف لا يُقاس فقط بقدرة الأندية على الامتثال للدفاتر المالية، بل أيضاً بمدى احترام المؤسسات لالتزاماتها، ووضوح المسؤوليات، وحماية حقوق الجماهير. أما استمرار إغلاق الملاعب دون تواصل كافٍ وتخطيط معلن ومساءلة واضحة، فيجعل شعار الإصلاح نفسه موضع مساءلة.
تعليقات الزوار