هبة زووم – أحمد الفيلالي
أعادت قضية توقيف رئيس قسم التعمير، الذي قضى سنوات طويلة على رأس هذا القطاع الحيوي، طرح أسئلة محرجة حول طريقة تدبير ملفات التعمير والتراخيص والمشاريع العمرانية بإقليم النواصر، وفتحت الباب أمام مساءلة أوسع بشأن نجاعة الرقابة الإدارية ودور سلطات الوصاية في رصد الاختلالات والتدخل قبل تفاقمها.
فإذا كانت المعطيات المتداولة بشأن هذا الملف تستدعي التحقق والتدقيق، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بالمسؤوليات الإدارية المباشرة، بل يمتد إلى مدى فعالية منظومة المراقبة داخل العمالة، ومدى قدرة آليات التتبع والتقييم على التقاط مؤشرات الخلل في الوقت المناسب.
إن إثارة هذه الأسئلة لا تستهدف إصدار أحكام مسبقة، ولا تعني الجزم بوجود مسؤولية شخصية أو تقصير ثابت، لكنها تندرج ضمن صميم الحق في مساءلة المؤسسات العمومية عن طريقة تدبيرها للشأن المحلي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاع حساس كالتعمير، تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والعقارية مع حقوق المواطنين واحترام القانون.
وفي هذا السياق، يجد العامل بنحيون نفسه أمام أسئلة مؤسساتية مشروعة بشأن طبيعة التقارير التي توصلت بها مصالح العمالة، ومدى ما تضمنته من تنبيهات أو ملاحظات بشأن تدبير ملفات التعمير، إن وُجدت، وما إذا كانت قد أعقبتها إجراءات رقابية أو قرارات تصحيحية واضحة.
فهل كانت هناك تقارير ميدانية أو مراسلات رسمية تنبه إلى اختلالات محتملة؟ وإذا كانت موجودة، فما مآلها؟ وهل جرى ترتيب المسؤوليات بشأنها في حينها، أم أن التدخل لم يتم إلا بعد تصاعد الجدل حول الملف؟
إن خطورة ملفات التعمير لا تكمن فقط في احتمال وقوع مخالفات إدارية، بل في آثارها المباشرة على التخطيط العمراني، وحماية الملك العام، وصيانة حقوق المواطنين، وضمان تكافؤ الفرص أمام المستثمرين والمرتفقين. ولذلك، فإن أي شبهة تتعلق بخرق المساطر أو استغلال النفوذ أو الابتزاز تستوجب فحصاً جدياً ومستقلاً، بعيداً عن التصفية السياسية أو الأحكام المتسرعة.
كما أن الحديث عن تفاوت في سرعة التعاطي الإداري مع الملفات يفرض توضيح المعايير المعتمدة في ترتيب الأولويات، حتى لا يتحول الغموض إلى مصدر لفقدان الثقة في الإدارة، أو إلى مدخل لتأويل القرارات باعتبارها خاضعة لحسابات لا علاقة لها بالقانون.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى توضيحات رسمية بشأن ظروف توقيف رئيس قسم التعمير، والأسباب الإدارية المعلنة وراء القرار، وطبيعة الاختلالات التي يجري التحقق منها، إن كانت هناك اختلالات موضوع بحث رسمي، كما يظل من الضروري التمييز بين التدابير الإدارية والنتائج التي قد تنتهي إليها أي عملية افتحاص أو تحقيق مختص.
إن مسؤولية الإدارة الترابية لا تقتصر على التدخل بعد انفجار الأزمات، بل تشمل أيضاً تطوير آليات المراقبة الاستباقية، وضمان تتبع الشكايات والتقارير، والتفاعل مع المعطيات الجدية التي تستوجب الفحص. فالتأخر في معالجة الاختلالات، متى ثبت وقوعه، قد يفاقم الأضرار ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات.
واليوم، لا يتعلق الأمر بإدانة العامل بنحيون أو غيره خارج المساطر القانونية، بل بطرح سؤال جوهري: هل اشتغلت آليات الرقابة بالإقليم بالفعالية المطلوبة، وهل جرى التعامل مع المؤشرات المحتملة للاختلال في الوقت المناسب؟
إن الرأي العام لا يحتاج إلى خطابات عامة بقدر ما يحتاج إلى أجوبة دقيقة، وإجراءات قابلة للتقييم، ونتائج واضحة. أما إذا أثبتت عمليات الافتحاص وجود تقصير أو خروقات، فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة يقتضي ترتيب الآثار القانونية والإدارية وفقاً لما يثبته التحقيق، دون انتقائية أو استثناء.
ففي تدبير الشأن العام، لا تكفي القرارات المتأخرة لتبديد الشكوك؛ المطلوب هو كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وتصحيح الاختلالات، وضمان ألا تتحول الرقابة إلى مجرد رد فعل بعد فوات الأوان.
تعليقات الزوار