المينورسو في قلب المأزق الأممي.. هل دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة ما بعد البعثة؟

هبة زووم – الرباط
لم يكن فشل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يوم 30 أكتوبر 2026، في اعتماد قرار جديد لتمديد ولاية بعثة «المينورسو» مجرد تعثر إجرائي عابر في مسلسل التجديد السنوي لمهام عمليات حفظ السلام، بل كشف عن أزمة أعمق تتعلق بمستقبل الحضور الأممي في الصحراء المغربية، وبطبيعة المقاربة التي ينبغي أن تؤطر المرحلة المقبلة من النزاع.
فللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يجد مجلس الأمن نفسه أمام احتمال انتهاء ولاية بعثة أنشئت سنة 1991 دون أن يتمكن أعضاؤه من الاتفاق على صيغة بديلة أو حتى تمديد تقني مؤقت.
وقد تعمق هذا المأزق بفعل اصطدام تصورين مختلفين: تصور أمريكي يسعى إلى إعادة هيكلة البعثة وتغيير طبيعة مهامها بما ينسجم مع التحولات التي عرفها المسار السياسي، وتصور روسي يدافع عن استمرارها وفق صيغتها الحالية، دون إدخال تعديلات جوهرية على تفويضها.
وبين هذين الموقفين، لم يتمكن مجلس الأمن من إنتاج قرار جديد، لتصبح البعثة أمام استحقاق قانوني وعملياتي بالغ الحساسية، مع اقتراب انتهاء ولايتها المحددة في 31 أكتوبر 2026.
أولاً: من الناحية القانونية.. انتهاء الولاية لا يعني الإخلاء الفوري
تتمثل النقطة القانونية الأساسية في أن القرار 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، مدد ولاية «المينورسو» إلى غاية 31 أكتوبر 2026، دون أن ينص على تمديد تلقائي في حال تعذر التوافق داخل مجلس الأمن.
وبالتالي، فإن عدم صدور قرار جديد قبل انتهاء الأجل يعني، من حيث المبدأ، أن التفويض الممنوح للبعثة بموجب القرار المذكور ينتهي في التاريخ المحدد، ولا يمكن افتراض استمرار صلاحياتها الميدانية السابقة لمجرد بقاء أفرادها أو معداتها أو مقراتها في المنطقة.
لكن ينبغي التمييز بين انتهاء الولاية القانونية وبين الانسحاب المادي للبعثة. فالمغادرة لا تتم بالضرورة في اللحظة التي تنتهي فيها مدة التفويض، لأن تصفية مهمة أممية بهذا الحجم تتطلب ترتيبات إدارية ولوجستية وأمنية، تشمل جرد المعدات، وتأمين الأفراد والمنشآت، وتنظيم النقل والإجلاء، وتسوية الالتزامات المالية والإدارية.
وهذا يعني أن استمرار وجود بعض عناصر البعثة بعد انتهاء ولايتها، إذا حصل، لا يشكل في حد ذاته دليلاً على استمرار التفويض السابق، كما لا يعني بالضرورة أن جميع أنشطتها ستتوقف في اللحظة نفسها. فهناك فرق بين ممارسة مهام المراقبة الميدانية وبين الأنشطة الضرورية لتصفية المهمة وتنظيم الانسحاب.
ومن الناحية المؤسساتية، لا يمكن أيضاً اعتبار عدم اعتماد قرار التمديد بمثابة قرار أممي جديد بحل البعثة، لأن مجلس الأمن لم يصدر قراراً إيجابياً بإنهائها، وإنما أخفق في الاتفاق على استمرارها، والنتيجة العملية قد تكون متقاربة من حيث توقف التفويض، لكن الأساس الإجرائي والقانوني مختلف.
ثانياً: ماذا تعني نتيجة التصويت سياسياً؟
تكمن أهمية ما جرى داخل مجلس الأمن في طبيعة الانقسام الذي أفرزه التصويت، فالمشروع الأمريكي لم يقتصر على تمديد ولاية البعثة لسنة إضافية، بل تضمن تصوراً لإعادة تشكيلها، من خلال تغيير اسمها إلى “بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية” بدلاً من “بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية”، إلى جانب تقليص مكونها العسكري، وتعزيز الإطار التفاوضي القائم على مقترح الحكم الذاتي المغربي، باعتباره أساساً للمفاوضات.
وقد اصطدم هذا التصور بالفيتو الروسي، الذي عكس رفض موسكو لما اعتبرته انحيازاً في صياغة القرار، وتوجهاً نحو استباق نتيجة المفاوضات بشأن قضية السيادة، وفي المقابل، لم ينجح المشروع الروسي البديل، الذي اقترح تمديد الولاية سنة أخرى بصيغتها القائمة، في الحصول على الحد الأدنى من الأصوات اللازمة لاعتماده.
وهنا تبرز دلالة سياسية أساسية: لم يتمكن أي من التصورين من فرض نفسه داخل المجلس. فروسيا منعت اعتماد الصيغة الأمريكية، بينما لم يتمكن المشروع الروسي من حشد أغلبية تؤيد استمرار البعثة بالشكل الذي كانت عليه.
وبذلك، لا يمكن قراءة النتيجة باعتبارها انتصاراً كاملاً لأي من الطرفين، بل باعتبارها تعبيراً عن عجز مجلس الأمن عن إنتاج تسوية مؤسساتية بشأن مستقبل إحدى أبرز أدوات تدخله في النزاع.
كما أن فشل المشروعين لا يلغي القرار 2797، ولا يمحو مضامينه السياسية، ولا يحول تلقائياً المقترح الأمريكي غير المعتمد إلى موقف ملزم للمجلس، فالقرار السابق يظل جزءاً من المرجعية الأممية، بما تضمنه من جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، والدعوة إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف.
ثالثاً: هل يؤدي توقف المينورسو إلى فراغ في المراقبة الميدانية؟
تتجاوز أهمية البعثة مسألة الاستفتاء الذي لم يتم تنظيمه منذ إنشائها، إذ تضطلع أيضاً بأدوار مرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار، ومتابعة التطورات العسكرية، والتحقق من الحوادث الميدانية والإبلاغ عنها، فضلاً عن توفير قنوات اتصال تسهم في الحد من مخاطر التصعيد.
وتكتسب هذه الوظائف أهمية خاصة في ظل استمرار التوترات الميدانية منذ سنة 2020، ووجود واقع أمني لا يخلو من مخاطر الاحتكاك والتصعيد.
ومن ثم، فإن توقف المهام الميدانية للبعثة، إذا لم تتم بلورة آلية بديلة، قد يؤدي إلى تراجع قدرة الأمم المتحدة على رصد التطورات والتحقق المستقل من الوقائع، ويجعل الأطراف أكثر اعتماداً على رواياتها الخاصة بشأن الحوادث والتحركات العسكرية.
ولا يعني ذلك بالضرورة اندلاع مواجهة جديدة، لكنه يرفع من كلفة سوء التقدير، ويضعف إحدى أدوات الاتصال وتبادل المعلومات التي ظلت متاحة خلال العقود الماضية.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن البعثة تضم نحو 155 عنصراً عسكرياً، وتبلغ كلفتها السنوية حوالي 62 مليون دولار خلال السنة المالية الحالية، وهو ما يوضح أن الأمر يتعلق ببنية عملياتية محددة، وليس بمجرد مكتب سياسي يمكن إغلاقه دون انعكاسات ميدانية.
رابعاً: السوابق الأممية.. انتهاء المهام لا يعني انتهاء الدور السياسي
لا يمثل تعثر تمديد ولاية «المينورسو» سابقة مطلقة في تاريخ عمليات الأمم المتحدة، إذ سبق أن انتهت مهام بعثات أخرى نتيجة عجز مجلس الأمن عن التوافق بشأن تجديد ولايتها.
ففي فبراير 1999، استخدمت الصين حق النقض ضد مشروع تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للانتشار الوقائي في مقدونيا، رغم حصول المشروع على تأييد 13 عضواً، لتنتهي ولاية البعثة في الموعد المحدد، قبل استكمال ترتيبات إنهائها.
وفي يونيو 2009، انتهت ولاية بعثة المراقبين الأمميين في جورجيا «UNOMIG» بعد فشل مجلس الأمن في التوصل إلى اتفاق بشأن تمديدها، إثر استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار.
وأعلنت الأمم المتحدة أن البعثة أوقفت مهامها فعلياً ابتداء من 16 يونيو، وشرعت في الانسحاب، بينما استمر المبعوث الأممي وممثلو المنظمة في الانخراط في المساعي الدبلوماسية المتعلقة بالمنطقة.
وتقدم هذه السابقة درساً مهماً بالنسبة إلى الحالة الصحراوية: انتهاء مهمة حفظ السلام لا يعني بالضرورة اختفاء الأمم المتحدة من الملف، وإنما قد يؤدي إلى إعادة توزيع أدوارها بين المساعي السياسية والدبلوماسية، من جهة، والحضور الميداني، من جهة أخرى.
أما الإشارة إلى تجربة البوسنة والهرسك سنة 2002، فينبغي التعامل معها بحذر؛ إذ لا يصح تقديمها باعتبارها مطابقة لما يجري حالياً دون تحديد البعثة المعنية والقرار الذي أتاح التمديد التقني القصير، فالسوابق الأممية تختلف في طبيعة المهام والأساس القانوني والظروف السياسية المحيطة بها.
خامساً: هل يمكن إنقاذ البعثة بتمديد تقني قصير؟
من الناحية الإجرائية، يظل التمديد التقني أحد المخارج الممكنة إذا توفرت إرادة سياسية لدى أعضاء مجلس الأمن، خصوصاً الدول الدائمة العضوية.
وقد سبق للمجلس أن لجأ إلى تمديدات قصيرة لبعثات أممية، بهدف منح أعضائه وقتاً إضافياً للتفاوض حول مستقبل المهمة. وتبرز تجربة بعثة المراقبين في جورجيا أن هذه التمديدات قد تشكل جسراً مؤقتاً لتفادي انتهاء التفويض قبل التوصل إلى صيغة جديدة، لكنها ليست ضمانة لتسوية الخلاف.
وفي حالة «المينورسو»، يمكن تصور تمديد تقني لأيام أو أسابيع، يسمح باستمرار الوضع القائم مؤقتاً، أو يتيح التفاوض حول صيغة معدلة للبعثة، سواء من حيث الاسم أو المهام أو التشكيلة أو طبيعة التقارير الميدانية.
غير أن هذا السيناريو يظل رهيناً بالتوافق السياسي، ولا يمكن افتراض تحققه تلقائياً. فمجرد وجود سوابق للتمديد التقني لا يعني أن مجلس الأمن ملزم بتكرارها، كما أن أي تمديد جديد يحتاج بدوره إلى قرار معتمد وفق قواعد التصويت المعمول بها.
سادساً: الموقف المغربي.. قراءة سياسية تتجاوز مستقبل البعثة
في المقابل، يعكس بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب تعثر التمديد قراءة مغربية تعتبر أن ما جرى يمثل منعطفاً مهماً في مسار ملف الصحراء، وأن استمرار وجود البعثة بصيغتها الحالية لم يعد منسجماً مع التحولات التي عرفتها القضية.
وقد ذهب البلاغ إلى اعتبار أن عدم تمديد الولاية ينبغي أن يفضي إلى إنهاء وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، وإلى وضع حد لإحالة الملف على مجلس الأمن بصيغتها السابقة، مع التأكيد على استمرار المغرب في الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ومواصلة الدينامية الدبلوماسية على المستويين الثنائي والإقليمي.
لكن من الناحية القانونية، ينبغي التمييز بين هذا التوجه السياسي المعلن وبين ما قرره مجلس الأمن فعلياً، فعدم اعتماد قرار جديد لا يتضمن، في حد ذاته، قراراً بسحب القضية من جدول أعمال المجلس، ولا ينهي تلقائياً ولاية الأمين العام أو مهمة مبعوثه الشخصي.
فالفقرة السادسة من القرار 2797 نصت على أن المجلس يظل منشغلاً بالمسألة، بينما لم يصدر في 30 أكتوبر قرار جديد يغير هذه المرجعية أو يلغيها. ولذلك، فإن الحديث عن طي المسار الأممي نهائياً يظل تعبيراً عن الموقف السياسي المغربي من التطور، وليس وصفاً لقرار أممي صريح.
سابعاً: ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المرحلة المقبلة
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تحديد ثلاثة مسارات محتملة:
السيناريو الأول: تمديد تقني مؤقت
وهو خيار يسمح بتفادي الفراغ العملياتي، ويمنح الدول الأعضاء وقتاً إضافياً للتفاوض حول صيغة جديدة للبعثة. ويتطلب هذا المسار توافقاً سياسياً لا يزال غائباً حتى الآن.
السيناريو الثاني: إعادة هيكلة البعثة
ويقوم على التوصل إلى صيغة جديدة تعيد تحديد طبيعة المهام، وربما تقلص المكون العسكري أو تغير الاسم والإطار الوظيفي، مع الإبقاء على حضور أممي ميداني أو سياسي يتناسب مع التحولات التي عرفها الملف. وهذا السيناريو يظل مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف والدول المؤثرة لقبول تسوية وسط.
السيناريو الثالث: انتهاء الولاية والشروع في التصفية والانسحاب
وهو المسار الذي يصبح مطروحاً إذا استمر الانسداد ولم يصدر قرار جديد، بما يفضي إلى توقف المهام الميدانية التي يستند تفويضها إلى القرار المنتهي، ثم تنظيم الترتيبات الإدارية واللوجستية اللازمة لإنهاء وجود البعثة.
وفي جميع هذه الحالات، لا يعني انتهاء ولاية «المينورسو» أن النزاع قد حُسم تلقائياً، أو أن الأمم المتحدة فقدت كل أدوارها السياسية والدبلوماسية، كما لا يؤدي ذلك وحده إلى تغيير الوضع القانوني للإقليم أو إسقاط حقوق ومواقف الأطراف المعنية.
الخلاصة: أزمة بعثة أم أزمة آلية إدارة النزاع؟
ما وقع في مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 يكشف أن الخلاف لم يعد محصوراً في مضمون الحل السياسي، بل امتد إلى الأداة الأممية التي أدارت جانباً من النزاع منذ سنة 1991.
فالمشروع الأمريكي حاول نقل البعثة إلى صيغة جديدة تتجاوز المرجعية التقليدية للاستفتاء، وتمنح مقترح الحكم الذاتي موقعاً مركزياً في المفاوضات، بينما دافع المشروع الروسي عن استمرار الإطار السابق، لكن سقوط المشروعين كشف أن المجلس لم يحسم بعد شكل الحضور الأممي الذي يريده للمرحلة المقبلة.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن التطور يفتح مجالاً سياسياً ودبلوماسياً لتأكيد رؤيته بشأن مستقبل الملف، لكنه يضع أيضاً سؤالاً عملياً أمام المرحلة المقبلة: كيف يمكن الانتقال من إدارة النزاع عبر آليات أممية تقليدية إلى مسار سياسي جديد، دون أن يؤدي غياب المراقبة الميدانية إلى مخاطر أمنية أو إلى إضعاف قنوات التواصل؟
أما بالنسبة إلى الأمم المتحدة، فإن التحدي لا يقتصر على مصير 155 عنصراً عسكرياً أو على ترتيبات انسحاب بعثة تجاوز عمرها ثلاثة عقود، بل يتعلق بقدرتها على الحفاظ على دورها كوسيط سياسي ومصدر للمعلومات الميدانية، في نزاع لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.
وهكذا، فإن نهاية التفويض، إذا تحققت دون تمديد أو صيغة بديلة، قد تعني نهاية مرحلة من الحضور الأممي الميداني، لكنها لا تعني بالضرورة نهاية المسار الأممي نفسه.
فالمعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة لن تكون فقط حول بقاء “المينورسو” أو مغادرتها، بل حول طبيعة الإطار السياسي والأمني الذي سيعوضها، والقدرة على تحويل الانسداد الحالي إلى مسار تفاوضي قابل للاستمرار.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد