هبة زووم – الرباط
اعتبر الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري أن عدم تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو» يشكل منعطفاً مهماً في مسار النزاع، وفرصة لإعادة تقييم جدوى الرهان على الأمم المتحدة بعد أكثر من ثلاثة عقود من حضور البعثة في المنطقة، ونصف قرن من التجاذبات السياسية والدبلوماسية حول قضية الصحراء المغربية.
وفي تدوينة جديدة، قدم الكنبوري قراءة سياسية لتطورات مجلس الأمن، معتبراً أن تعثر اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي وضع المسار الأممي أمام مأزق غير مسبوق، وأتاح للمغرب فرصة الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى محاولة تغيير قواعد التعامل معه.
ويرى الباحث أن القضية، التي استنزفت عقوداً من المفاوضات والقرارات والوساطات، وصلت إلى مرحلة بات معها ضرورياً طرح سؤال جوهري: هل نجحت الأمم المتحدة في الاقتراب من تسوية نهائية، أم تحولت آلياتها إلى إطار لإدارة الخلاف وإبقائه مفتوحاً؟
ينطلق الكنبوري من التطورات التي شهدها مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026، حين فشل في اعتماد مشروعين متنافسين لتجديد ولاية المينورسو. فقد أسقط الفيتو الروسي المشروع الأمريكي، بينما لم يحصل المشروع الروسي البديل على الأصوات الكافية لاعتماده، لينتهي الأمر دون تجديد التفويض الذي انتهت مدته في 31 أكتوبر.
ويقرأ الباحث هذه النتيجة باعتبارها تعبيراً عن تعارض الحسابات الدولية داخل مجلس الأمن، حيث لم يعد مستقبل البعثة مرتبطاً فقط بمواقف أطراف النزاع، بل أيضاً بالتنافس بين القوى الكبرى واختلاف تصوراتها بشأن طبيعة الحل السياسي وحدود دور الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، يرى الكنبوري أن المغرب خرج مستفيداً من تعثر المسعى الرامي إلى تمديد مهمة البعثة، مستحضراً الموقف المغربي الذي عبّر عنه بلاغ الديوان الملكي، والذي اعتبر عدم تجديد الولاية خطوة مهمة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، مع التوجه إلى مواصلة العمل الدبلوماسي على المستويين الثنائي والإقليمي.
غير أن التطور، على أهميته، يفتح كذلك باب التساؤلات حول المرحلة المقبلة، خصوصاً ما يتعلق بمصير الوجود الميداني للبعثة، وآليات مراقبة الوضع الأمني، ومستقبل المسار السياسي. فتعثر التجديد لا يحسم وحده جميع هذه الملفات، بل يضعها أمام واقع جديد يحتاج إلى تدبير دبلوماسي وقانوني دقيق.
وفي استعراضه لمحطات النزاع، يعود الكنبوري إلى قرار المغرب قبول خيار الاستفتاء خلال قمة نيروبي سنة 1981، وما أثاره آنذاك من خلافات داخلية، مستحضراً موقف عبد الرحيم بوعبيد المعارض لذلك الخيار، وما ترتب عليه من اعتقاله.
ويستحضر الباحث هذه الواقعة ليبرز أن تدبير ملف الصحراء لم يكن خالياً من القرارات التي أثارت جدلاً سياسياً بشأن كلفتها ومآلاتها. كما يشير إلى انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984، بعد قبول عضوية ما يسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، معتبراً أن هذا الانسحاب كان خطأ استراتيجياً، لأن مغادرة المؤسسات لا تتيح بالضرورة التأثير في مواقفها أو تغيير توازناتها.
وفي المقابل، يشيد الكنبوري بعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، في إطار السياسة الإفريقية التي انتهجها الملك محمد السادس، معتبراً أن استعادة الحضور داخل المنظمة أتاحت للرباط الدفاع عن موقفها من داخل المؤسسة القارية، بدل ترك المجال مفتوحاً أمام خصومها.
ويبرز هذا التحول، وفق قراءة الباحث، أهمية المزاوجة بين الثبات على المواقف الوطنية وتغيير الأدوات الدبلوماسية بحسب تطور السياقات. فالدخول إلى المؤسسات وممارسة التأثير من داخلها قد يكون أكثر جدوى من الانسحاب منها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضية استراتيجية تتشابك بشأنها المصالح الإقليمية والدولية.
ويوجه الكنبوري انتقاداً حاداً إلى حصيلة الأمم المتحدة في تدبير نزاع الصحراء، معتبراً أن المنظمة لم تتمكن، طوال العقود الماضية، من إنهاء الخلاف، بل أبقت الملف يتأرجح بين جولات التفاوض والقرارات الأممية دون حسم نهائي.
ويذهب إلى أن المغرب هو الذي قدم، في نهاية المطاف، صيغة الحكم الذاتي سنة 2007، لتصبح المبادرة المغربية محوراً أساسياً في النقاش الدولي بشأن الحل السياسي. ومن هذا المنطلق، يرى الباحث أن الرباط لم تعد مطالبة بالاكتفاء بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات، بل بات عليها توظيف ما راكمته من دعم دبلوماسي للدفع نحو تسوية تتوافق مع تصورها للحل.
لكن القول إن الأمم المتحدة لم تؤد أي دور في الملف يظل حكماً سياسياً قابلاً للنقاش؛ فقد وفرت المنظمة إطاراً للتفاوض ومتابعة التطورات، وأُنشئت المينورسو سنة 1991 في سياق ترتيبات لوقف إطلاق النار ومسار كان يستهدف تنظيم استفتاء تعذر تنفيذه بسبب الخلافات المستمرة حول شروطه. ولذلك، فإن تقييم حصيلة المسار الأممي يقتضي التمييز بين إخفاقه في الوصول إلى تسوية نهائية وبين الأدوار التي اضطلع بها في إدارة النزاع.
أما التحول الذي يدعو إليه الكنبوري، فيتمثل في تجاوز ما يعتبره استنزافاً للزمن، والانتقال إلى مقاربة أكثر قدرة على تحويل المكاسب الدبلوماسية إلى نتائج سياسية ملموسة.
ويختتم الباحث تدوينته بخلاصة تختزل تصوره لطبيعة العمل الدبلوماسي، ومفادها أن النجاح لا يتحقق بمجرد التشبث بالمسارات القائمة، بل بالقدرة على قراءة موازين القوى واختيار الأدوات التي تتيح تحقيق الأهداف الوطنية.
ومن هذه الزاوية، يعتبر الكنبوري أن المغرب راكم خلال السنوات الماضية تحولات مهمة، من العودة إلى الاتحاد الإفريقي إلى توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وأن المرحلة الحالية تفرض استثمار هذه المكتسبات في صياغة مسار جديد.-
غير أن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في إعلان نهاية مرحلة المينورسو، بل في تحديد ملامح المرحلة التي تليها: كيف سيُدبّر المغرب ملف الصحراء في ظل غياب تجديد التفويض؟ وما البدائل العملية لضمان الاستقرار ومواصلة الدفاع عن الموقف المغربي؟ وكيف يمكن تحويل التطورات الأخيرة إلى مكاسب دبلوماسية مستدامة، دون ترك فراغ في تدبير الجوانب الأمنية والسياسية؟
إنها أسئلة ستحدد ما إذا كان تعثر تجديد ولاية البعثة سيشكل بالفعل بداية تحول استراتيجي، أم سيبقى محطة أخرى في نزاع طويل تتداخل فيه الحسابات الدولية مع رهانات الأطراف الإقليمية.
وبين قراءة الكنبوري المتفائلة بمآلات التطورات الأخيرة، وتعقيدات المشهد الأممي، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الدبلوماسية المغربية على الانتقال من إدارة النزاع إلى الدفع نحو تسوية نهائية، مع الحفاظ على الاستقرار وتثبيت المكتسبات التي راكمتها المملكة خلال العقود الماضية.
تعليقات الزوار