هبة زووم – ورزازات
يبدو أن المجلس الإقليمي لورزازات مقبل على اختبار جديد في تدبير الممتلكات العمومية، بعدما فجّرت نقطة مدرجة ضمن جدول أعمال دورته الاستثنائية المرتقبة يوم الاثنين 02 نونبر 2026 جدلاً واسعاً، يتعلق بمشروع اتفاقية شراكة وتسيير واستغلال قصر المؤتمرات بالمدينة لفائدة جمعية محددة، مقابل سومة كرائية سنوية تثير أكثر من علامة استفهام.
فوفق المعطيات الواردة في وثائق الاتفاقية المعروضة على أنظار المجلس، يتجه المشروع إلى تخفيض السومة الكرائية السنوية من 200 ألف درهم إلى 10 آلاف درهم فقط خلال السنوات الثلاث الأولى، أي ما يعادل نحو 833 درهماً شهرياً، تحت مبرر تشجيع الاستثمار وتأهيل هذه المعلمة، وهو فارق مالي كبير يفرض على المجلس تقديم تفسيرات دقيقة بشأن الأسس التي اعتمدها لتحديد هذا المبلغ، ومدى تناسبه مع القيمة الاقتصادية للمرفق وإمكاناته الاستغلالية.
من 200 ألف إلى 10 آلاف درهم.. أين تكمن الجدوى؟
إن المسألة لا تتعلق بمجرد تخفيض في واجبات الكراء، بل بقرار يهم مرفقاً عمومياً استراتيجياً، يفترض أن يشكل رافعة لتنشيط الحياة الاقتصادية والثقافية والسياحية بالإقليم، ومصدراً محتملاً للمداخيل التي يمكن توظيفها في تحسين الخدمات وتمويل المشاريع المحلية.
ومن حق الرأي العام أن يعرف كيف جرى احتساب السومة الجديدة، وما الالتزامات الاستثمارية الدقيقة التي ستتحملها الجمعية المستفيدة مقابل هذا التخفيض الكبير، وما حجم الأشغال والتجهيزات التي ستنجزها، والآجال المحددة لذلك، والضمانات التي يتوفر عليها المجلس للتأكد من تنفيذها.
فإذا كان الهدف هو تأهيل القصر، فأين البرنامج الاستثماري المفصل؟ وما قيمته المالية؟ ومن سيتحمل مصاريف الماء والكهرباء والصيانة والحراسة؟ وهل تتضمن الاتفاقية آليات واضحة لمراقبة المداخيل الناتجة عن المؤتمرات والتظاهرات وكراء القاعات؟ أم أن المجلس يكتفي بمنح امتياز مالي دون نشر حساب دقيق للعائد المنتظر على المرفق العمومي؟
شراكة أم امتياز يحتاج إلى تبرير؟
وتزداد حساسية الملف في ظل الانتقادات التي يوجهها متتبعون للشأن المحلي إلى طريقة تدبير بعض الشراكات والاتفاقيات بالإقليم، وما يثار بشأن معايير اختيار الجمعيات المستفيدة ومدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين مكونات المجتمع المدني.
وإذا كانت هذه الانتقادات تظل مواقف واتهامات تحتاج إلى أدلة وتوضيحات، فإن المجلس الإقليمي مطالب بتبديد كل الالتباسات من خلال الكشف عن معايير اختيار الجمعية المعنية، وطبيعة المنافسة أو المسطرة التي تم اعتمادها، ومدى فتح المجال أمام باقي الجمعيات والهيئات المؤهلة لتقديم عروضها ومشاريعها.
فالمرفق العمومي ليس ملكاً خاصاً للمجلس أو لرئيسه، والشراكات لا ينبغي أن تتحول إلى امتيازات مغلقة، بل يجب أن تخضع لمعايير معلنة، وأن تكون المصلحة العامة هي المحدد الأول في اختيار الشريك وشروط الاستغلال.
أعضاء المجلس أمام مسؤولية التصويت والمساءلة
كما أن إدراج اتفاقية بهذه الأهمية ضمن دورة استثنائية يفرض على أعضاء المجلس التوقف عند تفاصيلها، وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد نقطة تقنية تستوجب المصادقة الروتينية. فالتصويت على تدبير مرفق عمومي بشروط مالية تثير كل هذه الأسئلة يستوجب نقاشاً جدياً، وتقديم توضيحات بشأن الجدوى الاقتصادية والضمانات القانونية والمالية.
ولا يمكن اختزال مسؤولية المنتخبين في الحضور والتصويت، لأن دورهم الرقابي يقتضي مساءلة أصحاب المقترح عن كلفته وآثاره، والتأكد من حماية موارد الإقليم وممتلكاته.
المفتشية العامة ومؤسسات الرقابة.. أين ضمانات الشفافية؟
إن خطورة الملف تفرض توفير جميع الوثائق المرتبطة بالاتفاقية، بما فيها التقييم المالي للقصر، والبرنامج الاستثماري، وشروط الاستغلال، والالتزامات المتبادلة، فضلاً عن الآليات المعتمدة لمراقبة تنفيذ الاتفاقية ومحاسبة الجهة المستفيدة عند الإخلال ببنودها.
كما أن نشر هذه المعطيات من شأنه تمكين الرأي العام والجهات الرقابية المختصة من تقييم مدى احترام قواعد تدبير الممتلكات العمومية، ومدى تناسب التخفيض المقترح مع المصلحة العامة.
إن المطلوب من المجلس الإقليمي لورزازات ليس تسويق الاتفاقية تحت عنوان تشجيع الاستثمار فحسب، بل تقديم حساب واضح للرأي العام: لماذا جرى الانتقال من 200 ألف درهم إلى 10 آلاف درهم؟ ما الذي سيحصل عليه الإقليم في المقابل؟ وما الضمانات التي تمنع تحول هذا التخفيض إلى امتياز غير متوازن على حساب المال العام؟
فالممتلكات العمومية ليست غنيمة تفاوضية، ولا يجوز أن تتحول الشراكات إلى أبواب خلفية لتدبير غير شفاف. وأي قرار يمس استغلالها ينبغي أن يكون معللاً، موثقاً، وقابلاً للمراقبة والمحاسبة.
تعليقات الزوار