هبة زووم – اليوسفية
لم تعد المخاوف البيئية بمدينة اليوسفية مجرد شكاوى متفرقة من روائح كريهة أو سحب من الدخان والغبار الأسود، بل تحولت إلى قضية تطرح أسئلة جوهرية حول الحق في بيئة سليمة، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على ضمان سلامة السكان ومراقبة الانبعاثات المرتبطة بالأنشطة الصناعية.
فالحديث عن الأدخنة والروائح والغبار الأسود، كما تتداوله شكاوى محلية، لا يتعلق بتفاصيل هامشية يمكن تجاوزها بتغير اتجاه الرياح، وإنما بمخاوف تستوجب التعامل معها بجدية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بصحة الأطفال والمسنين والأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة، وهي فئات أكثر حاجة إلى محيط بيئي آمن.
وقد أعاد هذا الملف الحساس النقاش حول الوضع البيئي بالمدينة إلى الواجهة، كاسراً جانباً من الصمت الذي أحاط به خلال فترات سابقة، فاليوسفية، بما راكمته من تاريخ مرتبط بالنشاط الفوسفاطي والصناعي، تجد نفسها اليوم أمام معادلة لا تحتمل التأجيل: كيف يمكن التوفيق بين استمرارية النشاط الاقتصادي واحترام المعايير البيئية وضمان حق السكان في هواء نظيف؟
إن الاستثمار الصناعي، مهما بلغت أهميته الاقتصادية والاجتماعية، لا يمكن أن يشكل مبرراً للتساهل مع أي تجاوز محتمل للضوابط البيئية، كما أن الحديث عن التنمية لا يستقيم إذا ظلت الساكنة تعبر عن مخاوفها من الأدخنة والروائح والانبعاثات، دون أن تجد أمامها معطيات علمية واضحة وتدابير ملموسة تطمئنها بشأن سلامة محيطها.
ومن هنا تبرز مسؤولية السلطات الإقليمية، وفي مقدمتها عامل إقليم اليوسفية، في التنسيق مع المصالح المختصة والقطاعات المعنية، من أجل الانتقال من تدبير الشكاوى إلى معالجة الملف على أساس المعطيات والقياسات الميدانية، فهل توجد مراقبة منتظمة لجودة الهواء؟ وهل يتم نشر نتائج قياس الانبعاثات ومستويات التلوث؟ وما الإجراءات المتخذة عند تسجيل تجاوزات للمعايير البيئية؟
كما أن المسؤولية لا تقع على السلطات الترابية وحدها، بل تشمل الجهات المكلفة بالمراقبة البيئية والفاعلين الصناعيين، الذين يتعين عليهم توضيح طبيعة الانبعاثات ومصادرها، والكشف عن التدابير المعتمدة للحد من آثارها، والتفاعل مع انشغالات الساكنة والهيئات المدنية.
والمطلوب اليوم هو فتح تحقيق بيئي وتقني جاد، تشارك فيه المصالح المختصة، مع إجراء قياسات مستقلة وموثوقة لجودة الهواء، وتحديد مصادر الروائح والغبار والانبعاثات إن ثبت وجودها، ثم نشر النتائج للرأي العام وترتيب المسؤوليات وفق ما تكشف عنه المعطيات.
فاليوسفية ليست مجرد مجال جغرافي لاحتضان الأنشطة الصناعية، وساكنتها ليست مطالبة بالتعايش مع القلق البيئي باعتباره ضريبة حتمية للتنمية. إن صحة الإنسان وحقه في بيئة سليمة يجب أن يظلا في صلب كل سياسة اقتصادية وصناعية.
وبين متطلبات الاستثمار وحق السكان في السلامة، يظل السؤال موجهاً إلى العامل والجهات المعنية: متى يتحول الملف البيئي باليوسفية من موضوع للشكاوى والتصريحات إلى ورش للمراقبة والشفافية والمحاسبة؟
تعليقات الزوار