من يسعى لتهميش المعتدلين في النقاش المجتمعي؟

ثمة حاجة إلى الاستفادة من الجدل الذي اثارته تصريحات بعض القيادات السياسية بخصوص مراجعة بعض الأحكام الشرعية القطعية وقبلها مواقف جد متطرفة ذهبت حد الازراء بالدين والطعن في رموزه ونعت رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى العظماء بأنها رسائل إرهابية، وردود الفعل التي صدرت إزاء هذه الدعوات من المتطرفين والمعتدلين من الجهتين الإسلامية والعلمانية، والشكل الذي تم به التعاطي مع بعضها دون البعض الآخر، ومخاطر الازدواجية غير المنصفة في التعامل مع التطرف بنوعيه الديني والعلماني.

والواقع، أن الاختيارات الدستورية للمغرب واضحة في التأسيس لطريقة منصفة في نبذ التطرف بنوعيه الديني المتشدد والعلماني المتطرف، إذ تضمن الدستور والقوانين المنبثقة عددا من النصوص التي تمنع الاعتداء على الدين ، كما تضمن في الجهة المقابلة الاعتراف بمنظومة حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا من حيث الإجمال، مع إقرار آلية المصادقة السيادية في التفاصيل التي يتم التقدير بأنها تتنافى مع المرجعية الوطنية أو مع السيادة.

بمعنى، أن الأطر الدستورية والقانونية حددت بشكل واضح توجه المغرب في مواجهة التطرف بنوعيه الديني والعلماني، ورسمت صورة المغرب الوسطي المعتدل الذي لا يبرر انتظامه في المجتمع الحقوقي الدولي تخليه عن ثوابته الدينية القطعية، ولا يمنعه انتظامه في المرجعية الإسلامية في ظل إمارة المؤمنين من الالتزام بثقافة حقوق الإنسان.

المفارقة اليوم، أن الدينامية المدنية والحقوقية والإعلامية تسير في اتجاه مغاير يخل بالتوازن الذي سعى النص الدستوري إلى إقامته، بحيث يصير الطعن في الدين وفي قطعياته ورموزه جزءا من حرية التعبير التي لا ينبغي المساس بها، وفي المقابل يصبح المس بأحد التفاصيل المرتبطة بمنظومة حقوق الإنسان موجبة للثبور وعظائم الأمور.

والحقيقة أن الطرح الذي نذهب إليه يحاول أن يعيد هذا التوازن الذي رسم معالم الخصوصية المغربية، بحيث لا يبرر بالمطلق سعي بعض المتنطعين إلى بعث خطاب تكفيري، ويعتبر ذلك تطرفا دينيا واجب المناهضة، كما لا يقبل أن يتحول الدين – لاسيما نصوصه القطعية ورموزه- ساحة مستباحة يتم النهش ويتم مواجهة المخالف بإشهار ورقة حرية التعبير.

نعم، نتفهم أن الجانب النظري- الدستوري- ليس هو الحاسم في معركة التدافع للقضاء على التطرفين معا، وأن المعركة تتم فقط ضد التطرف الديني، وأن الاستقواء بالضغوط الخارجية يقوي مواقع الذين يشهرون ورقة حقوق الإنسان، ولا يجد الذين يقاومون التطرف العلماني سوى السند الشعبي، ونتفهم أيضا أن المغرب في هذه المرحلة العصيبة لا يتحمل أن تنخرط السلطة في فرض هذا التوازن لئن ذلك سيوقعها في مباشرة في فوهة بركان الضغط الحقوقي الدولي.

لكن تفهم هذه الاعتبارات كلها، لا يعني أن إمكانية إقامة هذا التوازن غير موجودة، كما لا يعني ترك التطرف العلماني يستقوي ضدا على الثوابت الدستورية.

نعم هناك حاجة إلى مناهضة التطرف الديني ودعوات التكفير، لكن، لن تكون الطريقة لفعل ذلك هو الاستعانة بالتطرف العلماني في مواجتهته على طريقة القناة الثانية التي استثمرت الحدث – لخلفيات تعلمها جيدا- للسعي لإحياء موجة الخطر السلفي والفكر التكفيري وإعطاء صورة مضللة عن حجم التهديد الذي يواجهه المجتمع من قبل التوجه التكفيري والاستعانة بنفس رموز التطرف العلماني وإظهارهم في المواجهة، كما ولو أنه لا يوجد في المجتمع إلا المتطرفون، ولا يوجد في ساحة المتدينين معتدلون أبدوا مواقف مناهضة للتطرف الديني، ولا يوجد في ساحة العلمانيين عقلاء يرون أن مناهضة الدين ورموزه في مجتمع مسلم يسير في الاتجاه المعاكس لرسالة التنوير والحداثة.

لا أحد اليوم في المغرب يريد أن يسمع خطاب التكفير يتردد على لسان أحد، مهما كان حجمه، صغيرا أو كبيرا، ولا أحد أيضا يقبل أن تتمدد حرية التعبير إلى الحد الذي يصير فيه الدين بقطعياته أمرا مستباحا، لكن شرط ذلك، أن يتم التوقف لاسيما من قبل النخب السياسية والثقافية والإعلامية عن الزج بالمجتمع في معارك خاطئة يتم فيها تغييب رأي الشريحة الواسعة من المعتدلين على ضفتي الإسلاميين والعلمانيين، ومحاولة اختصار الغنى التعددية التي يزخر بها هذا البلد وحصرها في معارك فارغة يخوضها المتطرفون من الجانبين.

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد