ماذا يحصل في العراق.. أين هو الأكاديمي والمثقف العربي؟

عمر ح الدريسي

لماذا العقل العربي مغيب؟ تقول عالمة الفيزياء و الكيمياء “ماري كوري” البولندية الفرنسية: “هناك علماء ساديون، يطاردون الأخطاء بدلا من إثبات الحقيقة”، ربما لو قيلت لوصف بعض الحكام لكان الأمر عادي؟ و لكن أليس من حقنا أن  ننزعج ممن انحرفوا عن أدوارهم، كأكاديميي النخبة  و كمثقفي النخبة، واحترفوا “جراحة التجميل الايديولوجي” للإستئثار بكراسيي هذه النخبة أو تلك!

هل هو مزيد من الإرهاق للمنطقة العربية؟ هل هو نكاية في التحالف المصري مع دول الخليج؟ أم  رد خليجي على التقارب الإيراني ـ التركي بشأن المسألة السورية؟ هل هو مقدمة لإعادة ترتيب الحكم في العراق لسحب البساط من تحت حلفاء إيران؟ هل هو تمهيد لشيء ما ضد إيران؟  أم أن “الفوضى الخلاقة” لصقور المحافظين الأمريكيين  مستمرة في برنامجها لمزيد من التقسيم والتشظي والصراع الطائفي والإثني.
.
؟

هل هي عملية جديدة؛ و ما يحدث الآن،  ما هو إلا حلقة من سلسلة حلقات برنامجها المتواصل نحو تحقيق الهدف المنشود، ألا و هو خلق دويلات صغيرة ضعيفة متصارعة كإمارات  حكم الأمويين في الأندلس.
.
؟

هذه العملية ربما هي من تتقدم الآن نحو العراق،  و هي ما أطلق عليها الرئيس أوباما “بصمة القدم الخفيفة”،(حسب أمين صوصي علوي/ الباحث الأكاديمي في البرباغندا) التي تستند إلى سيناريو حرب خاطفة   بعدما تكون قد انهارت مؤسسات الدولة و تشتت الجماعات المسلحة  المناوئة عبر  مساحات و اسعة و مرهقة،  دون ان  تظهر فيها القيادة الامريكية،, بل سيظهر فقط، الحلفاء الاقليميين ومن خلفهم قوى أوروبية لإعطاء طابع صورة تحالف دولي يُعزز باستصدار قرار أممي مثلما حدث في كل من ليبيا و سوريا و مالي .
.
.

مما لا شك فيه و بالرغم من انسحاب القوات الأمريكية من  العراق، إلا أنه لازال يُحكم برضى واشنطن و استحسان طهران و ترقب خليجي و تركي من غير  استبعاد المفاجئات.
.
.
طبعا؟

حُكْمُ  الإحتلال  الأمريكي  للعراق، ما بعد صدام حسين، أسس للطائفية،  فضل الشيعة نكاية في السنة،  وهمش السنة عقابا لهم على تأييدهم لنظام صدام،  وو فر للأكراد الغطاء السياسي للاستقلال عن بغداد، كمقدمة مشجعة على الانقسام، و بذالك خلقت أمريكا  منذ احتلال بلاد الرافدين  بؤر للانزلاق في  وحل نهري دجلة و الفرات أو اللجوء هربا و إرغاما إلى غبار الرمال  و ذئاب الصحاري،  و زرعت ألغاما في أسوار عاصمة المأمون و حولت أحيائها إلى “كانتونات” وجعلت من نفط العراق فتيلا لإشعال اللهب الدائم حول مائدة السلطة المؤثثة بجمار براكين الصراعات، تتقاذف حمما  لمزيد من الحرائق والفرقة،   لتعميق الجراح ما بين مكونات بلاد الهلال الخصيب.

هذه هي أبرز العوامل ربما الموجودة ظاهريا.
.
 !  و التي جعلت  العاشائر والمدن العراقية تعادي حكومة بغداد وريثة نظام الإحتلال و تتماهى مع المعارضين لهذه الحكومة سياسيا منذ سنوات ثم مع أبرز معارضة لها عسكريا حتى الآن، و هي ما يسمى ب “داعش” و المناصرين لها؛  وحسب بعض وسائل الإعلام الغربية و العربية “داعش” هذه، هي اختصار لما أطلق عليه سنة 2006، اسم الدولة الاسلامية في العراق و الشام، لكنها سرعان ما سقطت سنة 2007 من طرف مجالس الصحوات العشائرية وبالتحديد صحوات الانبار التي طردتها من مناطقها، لكن عوض أن تبتعد السلطة  عن التمييز الطائفي وتستثمر الصحوات تم تكريس الطائفية واستهداف الصحوات بل تمت العودة عليها.
.
!
يبدو أن العقل العربي مغيب تماما عما يحدث حقيقة في كل الوطن العربي، و بات المثقف و الأكاديمي تحت رحمة ما يستقيه من معلومات عبر المؤسسات الغربية و هذه المؤسسات لا تخفي خدمتها لمصالح بلدانها، الإعلام الغربي أيضا غير برئ تماما، ربما هذا الإعلام الغربي  حر  و ديمقراطي  ومهني وأخلاقي بما يخدم مصالح بلدانه،  لكنه انتهازي و انحيازي و مُخزي عندما يجب عليه خدمة الديمقراطية و الحرية و العدالة داخل البلدان العربية: طمس متعمد للحقائق و تمرير عكسها عن قصد، ما يحدث في البلدان العربية منذ الإستعمار و إلى الآن، تآمر على شعوبها لكي تبقى غارقة في التخلف تائهة ما بين أبواق الكذب و السجال العقيم  بعيدة عن أفواه  وأقلام المعارف و أفكار الحقيقة.

الوقائع والأفكار الحقيقية –ربما عن قصد- باتت تتجاوز الأكاديمي  والمثقف العربي، خصوصا منذ ما قبل الربيع العربي و خلال الربيع العربي.
 و هل باتت تتجاوزه أيضا حتى ما بعد الربيع العربي؟ و هل أصبحنا في عالمنا العربي و داخل كل قُطر؛ هل بتنا فعلا، في حاجة إلى ذالك المثقف الموسوعي الإبيستيمي الرقمي الإلكتروني المعلوماتي الإعلامي الميتانقدي عوض ذالك المثقف الأصلي أي الملتزم بلغة سارتر والمثقف العضوي بلغة غرامشي، بمعنى المثقف الرسالي الذي يحمل قضية ويدافع عنها.
.
؟
ربما بِتنا في حاجة حتما، إلى بناء الذات معرفيا وعلميا، ومأسسة الأفكار أكاديميا، بتنا في حاجة إلى الثقافة الموسوعية العالمة عوض الثقافة الضيقة المأدلجة، بتنا في حاجة إلى ثقافة الحرية و الإبداع و العطاء عوض ثقافة الشحن والإنكفاء و الجمود، بتنا بحاجة إلى ثقافة الإختلاف والإنفتاح  عوض  ثقافة الأنا والإنغلاق.
.
 لابد من قبول ثقافة الآخر كغناء و ثراء  و قوة، عوض قبول ثقافة الآخر كاستغلال فقط أو  كرفض بسبب الخوف والنفور و التوجس.
.
؟!
ربما ليستفيق العقل العربي المغيب والقابع تحت طبقات متكلسة و مترسبة من الجهل و التجهيل، بات هذا العقل العربي في حاجة أكثر من أي وقت مضى، إلى أكادميين و مثقفين؛ من طينة  المثقف الموسوعي الإبيستيمي الرقمي الإلكتروني المعلوماتي الإعلامي والميتانقدي حتما.
.
 !؟
*كاتب مغربي
E-mail : drissi-omar1@live.
fr

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد