الأحفاد ودفئ التفاعل الاجتماعي

حميد طولست

في خضم معارك الحياة الروتينية التي لا يميز أيامها عن بعض إلا كمية الملل المتراكمة من وسائل إعلام أجنبية غارقة في أخبار الذبح والقتل والتنكيل ، تزيدها تلفزة مغربية تائهة بدون بوصلة وسط كثبان من سخافة لا تحترم أبسط معايير الجودة ، ورداءة لا تقيم وزنا لذكاء وآدمية المشاهدين .
.

في مثل هذه الأجواء الرتيبة المكتضة بالظواهر المقضة للمضاجع ، الزاخرة بالصراعات المفتتة للعزائم ، المحطمة للأعصاب ، والمقلقة للنفوس ، تلبست أيامنا بأردية من الكآبة الرهيبة ،  التي تحولنا معها إلى غرقى ننشد النجاة ، ولا خلاص يلوح في الأفق ، غير تغيير الوجهة صوب أكبر مبتكرات الإنسانية ، واللوذ – بعناد شديد – بأكثرها ديوعا وشيوعا ، وأعظمها دقة حساسية ، أضخم معاقل التواصل الافتراضي ذي الإمكانيات الكبيرة : “الأنترنيت”  فارتمينا مستسلمين في أخضان شبكاتها المعنكبة ، وسجدنا طائعين في َمحارِبِ وسائطها المتعددة ، من حواسب وهواتف وألواح  ذكية – الأيباد والأيفون والأندرويد -استطاعت أن تجعل بحق من هذا العالم قرية صغيرة ، يصعب تحقيق التواصل الإنساني بِدُونها ، وغرقنا في عبابها مرغمين ، نتنقل من خلالها من مواقعها من تطبيق لآخر ، دون مراعاة أو تقدير لمن يشاركنا المكان والمجلس ، والمناسبة ، أسرية كانت أو تجمع عائلي ، علنا نجد بين عناصرها الأساسية ، ما يخرجنا من كآبتنا ، ويبدد وساوسنا وينقدنا من وحشتنا المفتعلة .
.

لكن المفارقة المدهشة ، هي أنه ، ورغم كل ما تحقق  لوسائل الاتصال الحديثة تلك، بلكل تطبيقاتها الذكية ذات الإمكانيات الخرافية  من التقدم في العصر الحديث ، ورغم ما أصبح لها من قدرة وجبروت -سهل التواصل وتبادل المعلومات والخبرات الكفيلة بتقريب الأشخاص المتباعدين جغرافيا – لم تستطع ، مع الأسف، أن تعيد الأمور إلي نصابها من صفاء زمان ، ونقاء الماضي البسيط ، وبدلا من أن تقوم بمد جسور التفاهم بين الناس ، وتحفظ توازنهم النفسي والفكري ، فقد خبطت هي الأخرى مع الخابطين وسارت في نفس مسارات الواقع البئيسة ، وطوحت بالمهوسين بها بعيدا في ما يبدو قرية صغيرة اتصالاً ، الذي هو حقيقة أمره عوالم شاسعةمختنقة بالمواقف الغريبة قيما ، والقصص العجيبة المتنافرة المتنائية فكارًا ،والحكايات المضرّجة بسطوة ما فُرض عليهم من ذاتية وخصوصية مبالغ فيها ، ضربت اجتماعيتهم الإنسانية – إحدى القيم الإنسانية ، المتعارف عليها عالميا – وزادت من إنعزاليتهم واغترابهم ، وأسلتهم الحب العشق والهوى ،  وشغلتهم عن الحوار الاجتماعي ، كتعاطف إنساني ، وحولته إلى وجبات سريعة تُلتهم على عجل وانفعال كبيرين ، ينقلب بسرعة  إلى حرب تستعمل فيها اللغة سكاكين تغتال الودية والتفاهم الأسري ، وتتحول خلالها المفردات إلى سيوف و”شواقير” تذبح التساكن الاجتماعي ، وتصبح معها الكلمات حجارة تكسر حلو الذكريات ، والعبارات عصي تحطم نقي الأفكار والمفاهيم ، وتغدو الأصوات أثناءها منبهات زاعقات وصفارات انذار ، توقظ حموضة الأحكام البائدة ، وتشعل مفخخ الانفعالات ، وتؤجج جاهز الاتهامات  .
.

وفي أثناء هذا التيه في معابد “الأنترنيت” ، وخلال ذاك التمسح بعتبات وسائطهالمبثوثة في مجاهل الافتراضي وسراب عوالم أوهامه المكرسة للوحدة ، والمرسخة للفردانة ، والمعززة للذاتية والانعزالية ، والملبذة لصفاء سماوات الأفراد والجماعات بضجيج “الكليكات” ، وطنين الرسائل افلكترونية ، ومتنبه التطبيقات ، وأجراس التغريدات والشاطات ، التي وفقدت معها كل عقاقير الدنيا المنومة ، مفعولها في جلب الكرى إلى أعين المعذبين بها ، وأخذهم بعيدا عنها في رحلات النوم الهادئة وعوالمه السحرية.
.
.

في هذه اللحظات الحرجة ، بزغت في حياتي ، شمس جديدة ، بل شمسان مثقلتان بجرعات مكثفة من الأمل واللطف والبهاء ، كبديل للانترنت وكل مشتقاته الاتصالية ، وأدواته الجهنمية ، التي أخذتنا من بعضها .
.
.
.
، جاء الشمسان الممثلان في حفيداي بارك الله فيهما وحفظهما من كل سوء وعين حسود ، جاءا لينتشلاني مما تبقى من أرتباكات ذكريات الأمكنة والأزمنة الموبوءة ، وركام أحلام صور الذات ومعنى الحياة ومثاليتها المزعومة في مباحث العم “جوجل” و”جوجل +”.
.

جاء حفيداي “لينا ووسيم” ليبدلا احوالي ويعيدا حلاوة أحاسيس  الأيام الخوالي النابضة بالحياة العامرة بالحب الصادق ، والمشاعر الزاخرة بدفء التفاعل الاجتماعيالعامر بالحب والتفاهم المقرب إلى الله سبحانه وإلى الأهل والأحبة والأقارب والرفاق .
.
جاءا ليجنباني أحزان الوحدة وهمومها ، وينجياني من شرور الفردانية ومآسيها ، ويمنحاني بَهْجَة المشاعر الطيبة والعواطف الصادقة والأحاسيس الفياضة التي تدفع لمراجعة النفس وإعادة النظر في كل ما هو سلبي من فكر وفعل وتصرفات ، وتحفز على تعظيم الأعمال الإيجابية وتبني معايير الخير فيها .
.

لقد بعثت حكمة السماء بهما ليبعداني عن آلية العلاقات و”ربوتوتية ” التواصل مع الآخرين ، ويعوضاها بدفء المشاعر ، التي لا  تقوى عليها أيتها برامج أو تطبيقات مهما كانت ذكية .
كم هو شعور غريب مقدم الأحفاد ، انه حظوة كبيرة عند من حضي بها ، حهظ الله حفيداي وبارك الله في آبائهما الذين شرفوني ومنحوني لقب الجد الذي انتظرته طويلا ، وشكرا لله .
.

Hamidost@hotmail.
com

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد