هبة زووم – محمد خطاري
في خطوة قانونية هامة، وجه المستشاران البرلمانيان عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، خالد السطي ولبنى علوي، مذكرة رسمية إلى رئيس المحكمة الدستورية، محمد أمين بنعبدالله، تتضمن مجموعة من الملاحظات بشأن القانون التنظيمي رقم 97.15 الذي يحدد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، وذلك عقب القرار الذي أصدرته المحكمة الدستورية مؤخرًا والذي قضى بدستورية القانون.
ملاحظات حول الشكل التشريعي
تضمنت المذكرة 5 ملاحظات جوهرية على مستوى الشكل، تتعلق بمسار التشريع نفسه والإجراءات التي صاحبت صياغته، حيث أشار المستشاران إلى أنه بالرغم من أن الدستور يتيح للحكومة تقديم تعديلات على النصوص القانونية، إلا أن مشروع قانون الإضراب شهد إدخال 95 تعديلًا على النسخة الأولية التي أحيلت إلى البرلمان.
وتسبب هذا الكم الكبير من التعديلات في تقليص المواد التي تضمنها النص من 49 مادة إلى 33 فقط في النسخة النهائية، مما أخل بمبدأ التداول التشريعي.
وأوضحت المذكرة أن الإحالة غير الصحيحة لمشروع القانون إلى لجان غير مختصة في مجلسي البرلمان قد تسببت في تجاوزات واضحة، حيث كان من المفترض أن يعرض مشروع القانون على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، نظرًا لأن الإضراب يعد من الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور.
كما شدد المستشاران على أن ذلك يشكل مسًا بحقوق المعارضة، التي كان من المفترض أن تتولى رئاسة اللجنة المختصة وفق النظامين الداخليين للبرلمان.
وتم التأكيد في المذكرة على أن الحكومة لم تلتزم بالأطر القانونية التي تنظم تقديم التعديلات البرلمانية، بما في ذلك المادة 206 (د) من النظام الداخلي لمجلس المستشارين، التي تنص على ضرورة تقديم التعديلات الكتابية قبل 24 ساعة على الأقل.
ويعد هذا الموقف، بحسب المستشارين، تقييدًا لحقوق البرلمانيين في ممارسة دورهم الرقابي والتشريعي بشكل كامل.
ملاحظات حول المضمون والمقتضيات الزجرية
أما فيما يخص المضمون، فقد أوردت المذكرة 7 ملاحظات أساسية تتعلق بالمقاربة التقييدية التي اتبعها القانون التنظيمي في تنظيم حق الإضراب، حيث أكدت أن العديد من مقتضيات هذا القانون تتناقض مع المبادئ الدستورية والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب.
وركزت المذكرة على أن المادتين 5 و12 من القانون التنظيمي أحالتا على نصوص تنظيمية، وهو ما يعد خرقًا للفصل 71 من الدستور الذي يحدد اختصاصات التشريع ويؤكد على أن المسائل التي تتعلق بالحقوق الأساسية هي من اختصاص السلطة التشريعية.
وأشارت المذكرة إلى أن هذا القانون يتسم بطغيان البعد الزجري على أبعاده التنظيمية، حيث خصصت له 10 مواد من أصل 33 مادة لتنظيم العقوبات المتعلقة بممارسة الحق في الإضراب، ما يشير إلى توجه تقييدي بدلًا من تشجيع وتعزيز هذا الحق.
وأكد المستشاران أن القانون لم يراعِ المعايير الدولية الراسخة التي تحدد إطار تنظيم ممارسة الإضراب، خاصة تلك التي نصت عليها منظمة العمل الدولية والتي تضمن الحق في الإضراب وتنظيمه بشكل يتماشى مع معايير حقوق الإنسان.
انتقادات لعدم تضمين المبادئ الأساسية
من بين الملاحظات البارزة في المذكرة، غياب اعتماد ديباجة تحدد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها حق الإضراب. وأوضح السطي وعلوي أن القانون التنظيمي لم يأخذ بعين الاعتبار دور المؤسسات الدستورية المعنية بحقوق الإنسان، مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في إبداء الرأي والتوصيات بشأن نصوص القانون.
كما شددت المذكرة على أن القانون يفرض شروطًا قاسية على النقابات للقيام بالإضراب، من خلال اشتراط تمثيلية قوية، مما قد يعوق ممارسة الإضراب لبعض الفئات المهنية، مثل الأطباء والمحامين، الذين لا تتوفر لهم النقابات الأكثر تمثيلية كما هو منصوص عليه في القانون.
مسائل معقدة تعرقل فعالية الإضراب
وفي ما يتعلق بالمساطر المعقدة التي تضمنها القانون، أشارت المذكرة إلى أن المواد 16 و17 تنص على إجراءات قد تؤدي إلى تعقيد فعالية الإضراب، مثل اشتراط الاتفاق المسبق مع المشغل على لائحة المضربين والأنشطة الضرورية لحماية الممتلكات.
كما لفت المستشاران إلى المادة 20 التي تمنح للسلطات الحق في التدخل لإيقاف الإضراب، ما يشكل تقييدًا صارخًا لهذا الحق الدستوري.
كما أكدت المذكرة على أن القانون التنظيمي لم يحدد بشكل واضح مفهوم “الخدمات الأساسية”، مما يترك مجالًا واسعًا للتأويل، ويعرقل ممارسة الإضراب في بعض القطاعات، معتبرة أن هذه المواد تحد من ممارسة حق الإضراب بشكل يتنافى مع المبادئ الدستورية.
الانتقادات الأخيرة
أبرز المستشاران في ختام مذكرتهما اعتراضهما على ما وصفاه بـ “شطط في استعمال السلطة”، حيث تتيح المادة 19 من القانون لرئيس الحكومة حق منع الإضراب وتوقيفه بموجب قرار معلل نتيجة حدوث آفات أو كوارث طبيعية أو أزمة وطنية.
وأشار السطي وعلوي إلى أن هذه المادة تمنح صلاحية للسلطة التنفيذية التي قد تكون طرفًا في النزاع، مما يعرض حق الإضراب للمساس به في ظل تضارب المصالح.
في الأخير، يمكن القول على أن المذكرة التي قدمها السطي وعلوي للمحكمة الدستورية تعكس قلقًا حقيقيًا بشأن حرية ممارسة حق الإضراب في المغرب، وتؤكد على ضرورة مراجعة هذا القانون التنظيمي ليكون متماشيًا مع الدستور والمواثيق الدولية.
وتطالب المذكرة المحكمة الدستورية باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان حماية هذا الحق الذي يعد من الحقوق الأساسية التي يجب أن تكون محمية وغير قابلة للتقييد.
تعليقات الزوار