قانون “إعادة تنظيم مجلس الصحافة” يمر بالأغلبية وسط أسئلة حارقة تحذر من الانتكاسة

هبة زووم – الرباط
في خطوة لم تُفاجئ المتابعين بقدر ما أعادت طرح الأسئلة نفسها، صادق مجلس النواب بالأغلبية على مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وسط جدل سياسي ومهني يعكس عمق الأزمة التي يعيشها قطاع الإعلام في المغرب.
ورغم اللغة الرسمية المطمئنة التي قدّم بها وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، هذا النص باعتباره “محطة مفصلية” في مسار الإصلاح، فإن القراءة المتأنية لمضامينه تكشف أن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة لإعادة ترتيب نفس الاختلالات القديمة، لكن بصياغة قانونية أكثر إحكاماً.
الوزير تحدث عن “توازن دقيق” بين حرية الصحافة وأخلاقيات المهنة، غير أن هذا التوازن، كما يبدو من روح النص، يميل بشكل واضح نحو التقنين الصارم بدل توسيع هامش الحرية، وهو ما يطرح تخوفات مشروعة حول مستقبل التنظيم الذاتي، الذي يُفترض فيه أن ينبع من داخل الجسم المهني، لا أن يُعاد تشكيله وفق مقاسات جاهزة.
الأخطر في المشروع ليس ما يقوله، بل ما يُخفيه، فالإبقاء على معيار رقم المعاملات لتحديد تمثيلية الناشرين يكشف بوضوح عن توجه يُقحم منطق السوق داخل بنية يفترض أن تقوم على التعددية والتوازن.
وبهذا المعنى، يتحول المجلس من فضاء لتنظيم المهنة إلى آلية قد تعيد إنتاج هيمنة الفاعلين الكبار، على حساب الأصوات المستقلة والهشة.
صحيح أن الحكومة حاولت التفاعل مع ملاحظات المحكمة الدستورية، خاصة بعد قرارها 261/26، غير أن هذا التفاعل بدا شكلياً في نظر كثيرين، إذ لم يمس جوهر الإشكال المتعلق بطبيعة التنظيم الذاتي وحدوده، فالمعضلة ليست فقط في التفاصيل التقنية، بل في الفلسفة العامة التي تحكم النص.
أما التنصيص على إحداث لجنة للإشراف على العمليات الانتخابية، فرغم أهميته الظاهرية، فإنه لا يبدد المخاوف المرتبطة بازدواجية التمثيل بين الانتخاب والانتداب، وهي نقطة تفتح الباب أمام اختلالات بنيوية قد تُفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها.
المفارقة أن هذا القانون يأتي في سياق يعرف فيه المشهد الإعلامي تحولات عميقة، من انتشار الأخبار الزائفة إلى تراجع الثقة في المؤسسات الإعلامية، وهي تحديات كان من المفترض أن تدفع نحو تعزيز استقلالية المهنة، لا إلى مزيد من الضبط الذي قد يُفهم كآلية للسيطرة أكثر منه وسيلة للإصلاح.
المعارضة، من جهتها، لم تتردد في توصيف المشروع بأنه “ترقيع قانوني” يفتقد للجرأة السياسية، معتبرة أنه فشل في بناء نموذج ديمقراطي حقيقي للتنظيم الذاتي، واكتفى بإعادة إنتاج نفس التوازنات المختلة التي طبعت التجربة السابقة.
لكن ما يغيب عن هذا النقاش، هو صوت الجسم الصحفي نفسه، الذي يجد نفسه مرة أخرى خارج معادلة التشريع، في وقت كان فيه الأجدر أن يكون الفاعل الرئيسي في صياغة القواعد التي تؤطر مهنته.
في المحصلة، يبدو أن القانون 09.26 لا يعالج أزمة الصحافة بقدر ما يؤجلها، ولا يؤسس لاستقلالية حقيقية بقدر ما يعيد صياغتها ضمن حدود مرسومة سلفاً. وبين خطاب الإصلاح وواقع الممارسة، تبقى الحقيقة أكثر بساطة: لا يمكن بناء مجلس وطني قوي للصحافة دون إرادة حقيقية لتمكين المهنيين من تدبير شؤونهم بحرية، بعيداً عن منطق الوصاية، مهما كانت ناعمة أو مغلفة بشعارات الحكامة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ماذا أضاف هذا القانون، بل ماذا أخفى، ومن المستفيد فعلاً من إعادة ترتيب هذا القطاع الحيوي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد