هبة زووم – محمد خطاري
في واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ التشريع المغربي، فجّرت لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب قنبلة سياسية وقانونية، مساء أول أمس، بعدما صادقت بالأغلبية على تعديل غير مسبوق في مشروع قانون المسطرة الجنائية، يُقصي الجمعيات الحقوقية وهيئات المجتمع المدني من الحق في التبليغ عن قضايا الفساد المالي والإداري أمام القضاء.
القرار الذي وُصف من قبل مراقبين وفاعلين حقوقيين بأنه “انقلاب تشريعي” و”ضرب مباشر لقلب دولة القانون”، يعيد البلاد خطوات إلى الوراء، ويهدد بمحو سنوات من التراكمات الديمقراطية والالتزامات الدولية في مجال الشفافية ومكافحة الفساد.
أغلبية تسن قانون الصمت
الأغلبية الحكومية، بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، دفعت بقوة نحو تمرير التعديل وسط اعتراض شديد من بعض النواب وتنديد واسع من قبل الجمعيات التي ترى في الأمر محاولة مكشوفة لـ”خنق الرقابة المدنية”، وتحصين دوائر القرار من المساءلة الشعبية والقانونية.
التعديل جاء في صيغة غامضة لكنها حاسمة: فقط الأشخاص المتضررون بشكل مباشر أو المؤسسات العمومية يمكنهم التبليغ أمام القضاء، ما يعني فعليًا إقصاء كافة الهيئات المدنية، بما فيها المنظمات المتخصصة في الشفافية والنزاهة.
المرصد يحذر من انهيار الثقة
المرصد الوطني لمحاربة الرشوة وحماية المال العام، وفي بلاغ هو الأشد لهجة منذ تأسيسه، وصف التعديل بـ”النكسة الحقوقية”، معتبرًا أنه يشكل مسًّا صارخًا بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، واستخفافًا بالاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادق عليها المغرب سنة 2007.
وأكد المرصد أن هذا التعديل لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق سياسي باتت فيه السلطة تضيّق الخناق على كل صوت ناقد، وتحاول عبر الأدوات التشريعية فرض هيمنة سياسية صامتة على المجتمع المدني، الذي لطالما كان حارسًا أخلاقيًا للمصلحة العامة.
وهبي في مرمى الاتهامات
وُجّهت أصابع الاتهام السياسية والحقوقية إلى وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الذي اعتُبر “المهندس الفعلي” لهذا التراجع الخطير، واتُّهم بمحاولة تقييد دور الجمعيات في محاربة الفساد، وتصفية الحسابات مع هيئات سبق أن فجّرت ملفات شائكة تورّط فيها مسؤولون نافذون.
المراقبون يرون أن وزير العدل يسير في اتجاه فرض تصور ضيق لمفهوم العدالة، يربط القضاء بالسلطة التنفيذية، ويفكك منظومة التوازن بين السلط، مستغلًا أغلبيته العددية لتمرير ما يصعب تمريره أخلاقيًا أو سياسيا.
نداء إلى رأس الدولة
في رسالة غير مألوفة، وجّه المرصد نداءً مباشرًا إلى جلالة الملك محمد السادس، باعتباره الضامن الأول لحقوق المواطنين وحامي الدستور، للتدخل العاجل من أجل وقف هذا “الانحراف التشريعي”، وإنقاذ المسار الديمقراطي الذي أصبح ـ حسب تعبيره ـ “على شفا الانهيار المؤسساتي”.
قلق أممي وتعبئة مرتقبة
ردود الأفعال لم تتأخر على المستوى الدولي، حيث عبّرت منظمات حقوقية وشبكات دولية لمكافحة الفساد عن “قلق عميق”، معتبرة أن المغرب بات يبعث بإشارات سلبية بخصوص التزامه بالمعايير الدولية، خاصة مع استعداده لاستضافة تظاهرات دولية ذات طابع حقوقي وتنموي.
في المقابل، دعا المرصد وكبريات الجمعيات الوطنية إلى إطلاق حملة تعبئة وطنية شاملة، لمناهضة ما وصفوه بـ”قانون الصمت”، وتنظيم وقفات وندوات وتقديم طعن دستوري في حالة تمرير التعديل بشكل نهائي.
في العمق: من يربح ومن يخسر؟
التحليل السياسي يرى في هذا التعديل انتصارًا مؤقتًا لقوى تريد تقليص أدوار المجتمع المدني في معركة الشفافية، لكنه في ذات الوقت هزيمة استراتيجية لصورة المغرب في الخارج، واهتزاز جديد في ثقة المواطن في مؤسساته.
وفي غياب موقف واضح من المجلس الوطني لحقوق الإنسان وهيئات الحكامة، تبقى الكرة الآن في ملعب الضمير الوطني، وداخل المجتمع المدني المطالب بالتصدي لتشريع يفتح الباب على مصراعيه لحماية المفسدين، تحت غطاء “الشرعية القانونية”.
تعليقات الزوار