هبة زووم – الرباط
لم يكن مشهد الأب المعتصم أمام مقر وزارة الصحة رفقة ابنته المريضة فردوس مجرد واقعة عابرة يمكن أن تمر ضمن الأخبار اليومية العابرة، بل تحول إلى صورة صادمة تختزل جانباً من المعاناة التي تعيشها فئات من المرضى الذين يجدون أنفسهم في مواجهة المرض من جهة، وتعقيدات الولوج إلى العلاج من جهة أخرى.
في الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع، ظهر الأب وهو يطلق صرخة موجعة بقوله: “موتي يا بنتي على خاطرك”، وهي عبارة لم تكن مجرد كلمات عابرة بقدر ما كانت تعبيراً عن حالة من اليأس والعجز أمام وضع صحي يقول صاحبه إنه تفاقم بعد توقف استفادة ابنته من دواء كانت تتلقاه سابقاً.
هذه الصورة المؤلمة أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول واقع الحق في العلاج بالمغرب، ومدى قدرة المنظومة الصحية على ضمان الاستمرارية العلاجية للمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة أو حالات صحية تتطلب تتبعاً دائماً ومنتظماً.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن إصلاح شامل للقطاع الصحي، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية لفائدة ملايين المغاربة، ما تزال بعض الحالات الفردية تكشف عن وجود اختلالات تجعل عدداً من الأسر تواجه مصيرها وحيدة أمام المرض، دون أن تجد أجوبة واضحة أو حلولاً سريعة لمعاناتها.
وإذا كانت الوقائع الدقيقة المرتبطة بملف الطفلة فردوس تستوجب التحقق والتدقيق من طرف الجهات المختصة، فإن المؤكد أن وصول أب إلى حد الاعتصام أمام وزارة الصحة يحمل في حد ذاته رسالة قوية مفادها أن قنوات التواصل والإنصاف لم تعد، في نظره، كافية لمعالجة وضعيته.
إن أخطر ما في مثل هذه الحالات ليس فقط الجانب الصحي، بل أيضاً ما تتركه من آثار نفسية واجتماعية على المرضى وأسرهم. فحين يشعر المواطن أن الحصول على العلاج أصبح معركة يومية، فإن الثقة في المؤسسات الصحية تتعرض للاهتزاز، مهما كانت الجهود والإصلاحات المعلنة.
وما يزيد من حساسية هذا الملف أن الأمر يتعلق بطفلة مريضة تجد نفسها في قلب مواجهة لا علاقة لها بها، بينما يتحول والدها إلى صوت احتجاجي يحمل معاناتها إلى الرأي العام بحثاً عن التفاتة إنسانية قبل أي شيء آخر.
اليوم، لا يحتاج الرأي العام إلى تبادل الاتهامات بقدر ما يحتاج إلى توضيحات رسمية دقيقة بشأن هذه الحالة، والكشف عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انقطاع العلاج إن ثبت ذلك، مع ضمان حق المريضة في التكفل الصحي وفق ما تقتضيه القوانين والالتزامات الدستورية ذات الصلة بالحق في الصحة.
فالدولة التي جعلت من ورش الحماية الاجتماعية أحد أكبر أوراشها الاستراتيجية مطالبة أيضاً بأن تجعل من الحالات الإنسانية المستعجلة أولوية لا تحتمل الانتظار، لأن نجاح أي إصلاح صحي لا يقاس فقط بحجم الميزانيات أو عدد النصوص القانونية، بل يقاس أساساً بقدرته على حماية المرضى الأكثر هشاشة ومنحهم الأمل في العلاج والحياة الكريمة.
لقد تحولت صرخة الأب أمام وزارة الصحة إلى سؤال مجتمعي كبير: كيف يمكن لمريض أن يفقد الأمل في العلاج داخل منظومة يفترض أنها وجدت أساساً لحماية حقه في الحياة؟ وهو سؤال لا يخص فردوس وحدها، بل يهم كل أسرة تخشى أن تجد نفسها يوماً في الموقف نفسه.
تعليقات الزوار