مراكش: الوالي شوراق ينهزم أمام مالكي العلب الليلية الدين يواصلون إحكام قبضتهم على المدينة

هبة زووم – إلياس الراشدي
في مراكش، المدينة التي كانت رمزاً للسحر والتاريخ والهوية المغربية المتجددة، يتساقط الوهم الواحد تلو الآخر. لم تعد “الحمراء” تلك المدينة التي تغازل السياح وتعانق الذاكرة الجماعية، بل تحولت شيئاً فشيئاً إلى ساحة فوضى مقننة، يحكمها من لا يملكون صفة رسمية، ولكنهم يملكون النفوذ والمال والقدرة على إسكات كل صوت خارج منظومتهم.
الوالي شوراق، الذي دخل المدينة حاملاً آمال التغيير، يجد نفسه اليوم محاصراً بين خطاب الدولة حول “النجاعة والحوكمة” وواقع مرير تحكمه شبكات من أباطرة العلب الليلية وتجار الممنوعات، في ظل بنية عمرانية تختنق كل يوم تحت ركام “التبليط العشوائي” والقرارات الارتجالية.
في مراكش، كل شيء يوحي بأننا داخل مدينة تمردت على منطق الدولة: إشارات المرور لا تطاع، الأرصفة محتلة، المجاري لا تفرّق بين الفصول، ولافتات “ممنوع الوقوف إلا للزبائن” تضع القانون في قفص الاتهام.
أما المواطن، فعليه أن يختار: إما أن يتحول إلى “كائن سائل” ينزلق بصمت وسط الفوضى، أو “كائن شفاف” لا تراه الشرطة ولا يرى رجالها، لأن رؤية الواقع أصبحت خطراً في حد ذاتها.
المؤسف أن مراكش اليوم لا تُدرّس في كليات التخطيط الحضري، بل في معاهد العبث، حيث لا معنى للمنطق ولا مكان للتخطيط، وحيث يختلط الصمت الرسمي بضحك ساخر يخفي دمعاً داخلياً من نوع خاص: دمع بكبرياء.
الفساد لا يهمس هنا، بل يصرخ.. والرشوة لا تختبئ، بل تُمَارس بلا وجل، والشبكات التي تدير الاقتصاد الليلي تفرض قوانينها على الفضاء العام، تقرر من يُفتح له الباب ومن يُقصى، في غياب شبه تام لرد فعل رسمي حازم.
اليوم، الوالي شوراق أمام لحظة مفصلية: إما أن يدخل التاريخ كمَن حارب مافيات الفساد في واحدة من أعقد المدن المغربية، أو أن يسقط في فخ التواطؤ بالصمت أو الضعف، ويُسجَّل اسمه كحلقة جديدة في مسلسل التراجع.
مراكش لا تحتاج شعارات جديدة، بل إرادة سياسية حقيقية، وقرارات جريئة تعيد التوازن بين الدولة وسلطة المال، بين القانون وأباطرة الليل، وبين مواطن يطلب فقط أن يعيش في مدينة تحترم حقه في الأمن والكرامة، لا أن تحوله إلى شاهد عاجز داخل مشهد من مسرح العبث.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد