بطاقة الحزب مقابل العلاج: حين يتحول الحقل السياسي إلى موقع موبوء بالانتهازية؟

هبة زووم – محمد خطاري
في واقعة لا يمكن اعتبارها مجرد سلوك معزول، بل نموذجًا دالًا على ما آلت إليه أخلاق العمل السياسي في المغرب، خرجت سيدة من القنيطرة لتكشف عن ممارسة مقلقة تمارس باسم “التقرب من المواطن”، حيث وُزعت بطاقات الانخراط في حزب التجمع الوطني للأحرار على نساء فقيرات، مقابل وعد بالولوج المجاني إلى مستشفى الغابة.
لا حديث عن قناعات سياسية، ولا عن اختيارات حرة، بل عن مقايضة فجة بين الحاجة الإنسانية والانتماء الحزبي، في منطقة يفترض أن تحتكم فيها الممارسة الديمقراطية إلى إرادة حرة وواعية.
المواطنة، التي كانت تظن أنها تقف في طابور الشفاء، فوجئت بأنها أصبحت فجأة في طابور التجنيد السياسي.
بطاقة الانخراط أصبحت جواز عبور إلى أبسط الخدمات، في مشهد يلخص بمرارة كيف تحوّل الحقل السياسي إلى موقع موبوء، حيث لا مكان للقيم ولا للمبادئ، بل فقط للزبونية واستغلال الهشاشة.
هذه الواقعة، وإن بدت للوهلة الأولى حالة محلية، إلا أنها تكشف عما هو أعمق: تصدّع العلاقة بين المواطن والسياسة، وفقدان الثقة في العمل الحزبي، وتحوّل الأحزاب إلى آلات انتخابية لا تتغذى سوى على بؤس الناس.
فأي مشروع سياسي هذا الذي يستمد “قواعده” من أحزمة الفقر بدل أن يناضل لتفكيكها؟
المفارقة أن هذه الفضيحة جاءت في سياق تباهٍ رسمي من قيادة الحزب بعدد المنخرطين الذي تجاوز 130 ألفًا، وفقًا لتصريحات رئيس الحكومة والأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، الذي قال بالحرف إن “مناضلي الحزب لا يكذبون، وعملتهم هي الصدق”.
لكن ما تم كشفه في القنيطرة يبدو وكأنه الوجه الآخر لهذه العملة… عملة مغشوشة عنوانها الاستغلال والتغرير.
المشكلة لا تكمن في حزب بعينه، بل في مناخ سياسي عام تُختزل فيه الممارسة الديمقراطية في تسويق الانخراطات كما تُسوّق السلع، ويُغيب فيه الوعي مقابل الوعود، وتنشط فيه شبكات “العمل القاعدي” المبني على تبادل الخدمات بدل تبادل الأفكار.
لقد تحوّل الحقل السياسي المغربي إلى أرض خصبة لممارسات هجينة، حيث تُستغل المؤسسات والسلط المحلية ومراكز الخدمات الاجتماعية كواجهات لشراء الولاءات.
فهل أصبحت بطاقة العلاج ورقة ضغط سياسي؟ وهل بلغ العبث حد تحويل الألم إلى بوابة للابتزاز؟ ثم، أين الدولة من كل هذا؟ أين الرقابة على ربط السياسة بالحق في الصحة؟ وأين هو المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومندوبية الصحة، ومفتشية الأحزاب، من هذه الممارسات المهينة؟
الأخطر أن مثل هذه الأساليب تطبع وعي أجيال جديدة من المواطنين الذين سيفهمون السياسة باعتبارها سوقًا، لا مجالًا للنقاش العمومي أو التأطير المسؤول.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إلى أين نحن ذاهبون بمستقبل الديمقراطية حين تصبح بطاقة الحزب أثمن من بطاقة الضمان الاجتماعي؟
إن ما حدث في القنيطرة يجب ألا يمرّ مرور الكرام، لأنه ليس مجرد حالة شاذة، بل مرآة مكسورة لحقل سياسي يعاني من تعفّن داخلي، حقل لم يعد ينتج سوى الولاءات الزائفة والانخراطات القسرية.
وهنا لا نحتاج إلى خطب جديدة، بل إلى جرأة مؤسساتية في وقف هذا الانحدار، ومساءلة من يستعمل فقر المواطنين كوقود لآلته الحزبية.
فبطاقة الحزب مقابل العلاج ليست سوى قمة جبل الجليد… وما خفي أعظم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد