الدار البيضاء: بين وعود “الخلعة” وواقع الحطام السياسي العمدة الرميلي ورقصة الديك المذبوح

هبة زووم – أحمد الفيلالي
يستطيع المتتبع العادي للشأن المحلي بالدار البيضاء أن يكتشف حجم التحديات التي تواجهها الولاية الحالية، وهي تخرج إلى الناس بوعود تبدو في نظر الكثيرين “عرجاء منتفخة”، لا تلبث أن تتبخر مع أول اختبار ميداني. مشهد يبعث على التأمل حين نسترجع المشاريع التي وُصفت بـ”الهلامية” والخطابات التي قُدمت أمام كاميرات بعض المنابر الصحفية، في محاولة لكسب تعاطف المواطنين، قبل أن يصحو الجميع على واقع يتطلب إنجازات ملموسة وخدمات محسوسة.
فبينما راهن المسؤولون المحليون على قوة الخطاب وبريق الصورة، يبدو أن المعادلة قد انقلبت، لتتحول الأولويات نحو المطالبة بتحقيق وعود كانت قد قطعت للناخبين، سؤال يفرض نفسه: كيف يمكن استعادة ثقة المواطن البيضاوي الذي حمل المنتخبين على منصة التتويج، ثم وجد نفسه ينتظر إنجازات قد تتأخر أو تتبخر؟
فعندما تتحول وعود الانتخاب إلى مجرد مادة إعلامية، فإن المواطن يصبح هو المتضرر الأول. فالمشاريع المعلنة تحتاج إلى جداول زمنية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وليس فقط إلى خطابات رنانة أو مؤتمرات صحفية.
وتشير معطيات محلية إلى أن بعض الملفات التنموية بالعاصمة الاقتصادية لا تزال تنتظر الانطلاقة الفعلية، رغم الإعلانات المتكررة عن قرب إطلاقها.
هذا الواقع يطرح إشكاليات جوهرية حول آليات تتبع وتنفيذ المشاريع المحلية، ومدى نجاعة أدوات المراقبة والتقييم المعتمدة من قبل المجلس الجماعي.
لقد حمل الناخبون البيضاويون منتخبهم أمل التغيير والتحسين، ثقة في برنامجه وقدرته على تدبير شأن المدينة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على هذا القرب بعد الفوز، وعدم الاكتفاء بالظهور الإعلامي في المناسبات.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية آليات الاستماع الفعلي لشكايات المواطنين، ونشر تقارير دورية حول معالجة هذه الشكايات، كوسائل لاستعادة الثقة وتعزيز الشفافية، فكيف يمكن بناء شراكة حقيقية بين المنتخب والناخب بينما تُترك بعض الملفات الحساسة دون متابعة كافية؟
المتابع للمشهد السياسي بالدار البيضاء يلاحظ نوعاً من الجمود في الأداء الحزبي، حيث تبدو بعض الكتل السياسية غير قادرة على تجديد خطابها وممارستها، أو على فتح أبوابها أمام كفاءات جديدة تحمل مشاريع وأفكاراً مبتكرة.
فالأحزاب، سواء في الأغلبية أو المعارضة، مدعوة اليوم إلى مراجعة أدائها وآليات اشتغالها، لضمان تمثيل حقيقي للمواطنين، بعيداً عن حسابات المصالح الضيقة أو الولاءات الشخصية، وهذا يتطلب شجاعة في التجديد وجرأة في محاسبة من يثبت تقصيره أو انحرافه عن المبادئ التي رفعها الحزب.
في العمل السياسي، قد تمر بعض الأخطاء أو التأخيرات دون محاسبة فورية، ليس تسامحاً مع التقصير، بل لأن المسار الديمقراطي يمنح هامشاً للمناورة والتصحيح، لكن هذا الهامش لا يمكن أن يكون مفتوحاً إلى ما لا نهاية.
فعندما تتكاثر التناقضات في التصريحات، وتتعدد الروايات حول نفس الملف، يتحول الخطأ العابر إلى “ورطة سردية” تُضعف المصداقية وتُعمق فجوة الثقة بين المسؤول والمواطن، وهذا بالضبط ما يتطلبه المشهد المحلي بالدار البيضاء اليوم: الانتقال من سرد النجاح إلى صنع النجاح، ومن الوعود إلى الإنجازات.
لم يعد مقبولاً أن تُترك ملفات التنمية المحلية رهينة الخطب والتصريحات، فما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن المحلي اليوم هو: نشر جداول زمنية تفصيلية للمشاريع المعلنة، مع مؤشرات أداء واضحة وقابلة للمتابعة، اعتماد زيارات ميدانية منتظمة ومسؤولة للأحياء، مع آليات استجابة سريعة لشكايات السكان، تفعيل مدونات سلوك أخلاقية للأحزاب والمنتخبين، مع محاسبة من يثبت تورطه في ممارسات لا تخدم المصلحة العامة، مع إشراك فعلي للمجتمع المدني في مراقبة وتتبع المشاريع، لضمان شفافية التدبير المحلي
ما تعيشه الدار البيضاء مع ملف التدبير المحلي ليس تراجعاً ظرفياً، بل هو اختبار لمصداقية العمل الانتخابي وقدرة المسؤولين على ترجمة الوعود إلى إنجازات ملموسة، فإما أن تتحول وعود التنمية إلى مشاريع على الأرض، مع إرادة سياسية حقيقية وآليات تتبع فعالة، وإما أن يستمر الفجوة بين الخطاب والواقع، مما يُهدد بمزيد من تآكل الثقة بين المواطن وممثليه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد