إيمان الخريبكية – فيرونا
في مشهد غير مسبوق، اهتزت القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة فيرونا الإيطالية على وقع فضيحة مدوية، تحوّلت خلالها هذه المؤسسة التي يُفترض أن تمثل الدولة وتحفظ هيبتها، إلى مسرح للعبث برموز الوطن، وانتهاك صريح لحرمة صورة الملك، واستباحة مؤسفة لمعايير الأمن الوطني.
مصادر موثوقة أكدت لـ “هبة زووم” أن لجنة تفتيش وطنية تابعة لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي حلّت بشكل مفاجئ بالقنصلية يوم الخميس 5 يونيو 2025، في أعقاب تراكم شكايات الجالية، وانفجار معلومات خطيرة حول ممارسات غير قانونية تجري داخل أسوار هذا المرفق السيادي.
الصورة الملكية تُهان.. وممارسات غير مفهومة تستباح داخل فضاء الدولة
لم تكن الصور المسربة لصورة جلالة الملك ملقاة أرضًا داخل بهو القنصلية مجرد إشاعة أو حادثاً عرضياً، بل إنها واقعة موثقة بالصوت والصورة، تكشف عن انحدار غير مسبوق في أداء مؤسسة من المفترض أن تكون حصنًا للدبلوماسية المغربية ومركزًا لصون السيادة الوطنية.
الأدهى من ذلك، هو ما كشفته ذات المصادر عن شخصية تُعرف بلقب “مول الجلابة”، يُوصف بـ”الفقيه”، الذي أصبح ضيفًا دائمًا داخل القنصلية، يمارس طقوسه أمام أنظار الجميع دون حسيب أو رقيب، مستفيدًا من حماية وعلاقة نفوذ غير مفهومة مع المسؤولة الأولى عن القنصلية.
اختراق أمني محتمل.. من يفتح الأبواب ومن يُراقب؟
الواقعة الأخطر، التي عرّتها الزيارة المفاجئة للجنة التفتيش، تتعلق بتواجد شخص أجنبي غير مرخص له يشتغل كحارس غير رسمي للبوابة الرسمية للقنصلية.
شخص يطّلع على تحركات الزوار وعلى طبيعة الوثائق والمعاملات قبل ولوج المواطنين إلى مرفق يُفترض أن يكون مغربياً خالصًا في التحكم والسيادة.
المصادر ذاتها لم تستبعد أن يكون لهذا الشخص ارتباطات بكيانات معادية للوحدة الترابية، وسط مخاوف حقيقية من احتمال زرع أجهزة تنصت أو تسريب بيانات حساسة، في وقت تتعرض فيه مواقع ومؤسسات مغربية لهجمات سيبرانية متزايدة.
السؤال الذي يطرح بإلحاح: هل رصدت اللجنة التفتيشية هذا الخرق الأمني الفادح أثناء دخولها القنصلية؟ وهل ستُدرج هذه الوقائع في تقريرها النهائي المرفوع إلى الوزارة والجهات العليا؟
مسرحية “الشفافية” أمام اللجنة.. وواقع مأزوم في العمق
في مشهد يُذكّر بكواليس الأنظمة البيروقراطية المتكلسة، عجّت القنصلية صباح يوم زيارة اللجنة بالمواطنين بعد السماح لهم بالدخول دون مواعيد مسبقة، وأُعيد تشغيل الحواسيب التي كانت معطلة في الأيام السابقة، في محاولة مكشوفة لإظهار صورة وهمية عن حسن سير العمل الإداري.
لكن خلف هذه المسرحية، واقع مأزوم يعرفه كل من قصد القنصلية في الأسابيع الأخيرة: طوابير انتظار مذلة، سوء معاملة، تسيب إداري، وخضوع الموظفين لضغوطات وتهديدات في حال كشف المستور.
صراعات شخصية.. وأجندات خفية
الصراعات الداخلية عمّقت الأزمة. جهات داخل القنصلية تتهم مستشارة مقربة بمحاولة الإطاحة بالقنصل العام سعياً وراء المنصب، عبر نشر الأكاذيب والتسريبات.
إلا أن مصادر “هبة زووم” تؤكد أن الوقائع المثبتة حول إهانة الرموز الوطنية وتسلل ممارسات ما أنزل الله بها من سلطان إلى فضاء القنصلية لا علاقة لها بهذه الأجندات، بل تعكس انحداراً حقيقياً يتطلب محاسبة واضحة وصارمة.
بين حماية صورة الدولة.. وتحدي الفوضى
أن تُهان صورة جلالة الملك داخل مؤسسة رسمية مغربية بالخارج، وأن يُستقبل “مول الجلابة” فيها وكأنه أحد كبار الضيوف، في حين يُقابل المواطنون المغاربة بالاحتقار والطرد، هو وضع لا يمكن التساهل معه.
السؤال اليوم موجّه إلى وزارة الشؤون الخارجية: أين هي آليات الرقابة على القنصليات؟ وهل تُعتمد معايير الكفاءة والوطنية في تعيين القناصلة؟ وهل يتم تقييم أدائهم بشكل دوري لضمان احترام هيبة الدولة ومصالح المواطنين؟
أما الأخطر: هل بات الأمن الوطني للمغرب في الخارج رهين قرارات عشوائية تسمح لأشخاص مشبوهين بالاقتراب من قلب مؤسسات سيادية؟
الخلاصة.. تدخل وزارة الخارجية بات ضروريا
ما يجري اليوم داخل قنصلية “فيرونا” ليس مجرد خلل إداري، بل ملف يمس صميم الأمن الوطني وصورة المغرب في الخارج. معايير تعيين القناصلة وتقييم أدائهم يجب أن تخضع لمراجعة جذرية، ومعالجة هذا الوضع لا يمكن أن يتم دون تدخل مباشر من أعلى سلطة في البلاد.
عندما تُهان رموز السيادة، وتُفتح الأبواب أمام التسريبات، تكون الدولة مطالَبة بحماية هيبتها أمام مواطنيها وأمام العالم.
الكرة الآن في مرمى وزارة الخارجية.. فهل تُعيد الاعتبار لمؤسسة القنصلية؟ أم ستتركها رهينة لشبكات النفوذ والتسيب؟