هبة زووم – الرباط
أثار مقترح قانون جديد في فرنسا، تقدمت به النائبة كارولين يادان، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والحقوقية، وسط تحذيرات من تداعياته المحتملة على حرية التعبير، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، قدّم الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي قراءة تحليلية حادة لمضامين المشروع، معتبراً أنه يتجاوز هدف مكافحة معاداة السامية ليصل إلى مستوى تقييد المواقف السياسية المرتبطة بـإسرائيل.
يندرج مقترح قانون “يادان” ضمن ما تصفه الجهات الداعمة له بمحاربة “الأشكال الجديدة لمعاداة السامية”، غير أن صياغته، وفق منتقديه، تفتح الباب أمام تأويلات واسعة قد تشمل تجريم مواقف سياسية، مثل التشكيك في سياسات إسرائيل أو التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المشروع قد يشمل تجريم بعض الشعارات أو العبارات المتداولة في سياق الصراع، وهو ما أثار مخاوف من خلط بين النقد السياسي المشروع وخطاب الكراهية.
الجدل لم يقتصر على الفاعلين السياسيين، بل امتد إلى مؤسسات رسمية، حيث حذر مجلس الدولة الفرنسي من المخاطر التي قد يشكلها المشروع على حرية الرأي والتعبير.
كما شهدت الساحة الفرنسية تحركات مدنية، من بينها عرائض احتجاجية حصدت مئات الآلاف من التوقيعات، تطالب بسحب المشروع، معتبرة أنه قد يؤدي إلى تجريم أشكال من التضامن السياسي والحقوقي.
اللافت في هذا النقاش، وفق متتبعين، هو بروز أصوات معارضة داخل مكونات من المجتمع الفرنسي، بما في ذلك بعض المواطنين من أصول يهودية، الذين عبروا عن رفضهم ربط هويتهم الدينية بمواقف سياسية أو بسياسات دولة معينة.
هذا الانقسام يعكس حساسية الموضوع، وتعقيد التوازن بين مكافحة الكراهية وحماية الحريات الأساسية.
في تحليله، يستحضر يحيى اليحياوي مفهوم “سوسيولوجيا الشك”، الذي صاغه عالم الاجتماع إريك فاسين، للإشارة إلى حالة يصبح فيها التعبير عن الرأي محفوفاً بالريبة، وقد يُحاسب الأفراد ليس فقط على أفعالهم، بل حتى على نواياهم.
ويرى أن هذا المنحى، في حال تكريسه تشريعياً، قد يخلق مناخاً من التوجس داخل المجتمع، ويحد من النقاش العمومي الحر حول قضايا دولية حساسة.
ويطرح الجدل الدائر في فرنسا إشكالية أعمق تتعلق بحدود تدخل القانون في تنظيم التعبير عن المواقف السياسية، خاصة في سياق دولي متوتر.
وبين ضرورة محاربة كل أشكال الكراهية والتمييز، والحفاظ على حرية التعبير كحق أساسي، يبقى التحدي قائماً أمام المشرّع الفرنسي لإيجاد توازن دقيق لا يُفرغ أحد المبدأين من مضمونه.
وفي انتظار مآلات هذا المشروع، يستمر النقاش داخل فرنسا وخارجها، باعتباره اختباراً جديداً لقدرة الديمقراطيات على التوفيق بين الأمن القانوني والحرية الفكرية.
تعليقات الزوار