هبة زووم – الدار البيضاء
لم تكن المخالفة المرورية على مستوى نقطة الأداء ببوسكورة سوى واقعة عابرة، حتى وجدت نفسها تطرق باب المؤسسة العليا للدرك الملكي، بعد أن وجّه أحد عناصرها لزميل صحفي بعبارة صريحة: “سير عند الجنرال”.
والجنرال المقصود هنا هو محمد حرمو، المفتش العام للدرك الملكي، الذي نضع أمامه اليوم – بكل احترام ومسؤولية – تساؤلات مشروعة حول سير بعض الممارسات اليومية لعناصر الجهاز، خاصة في محور حيوي تمر عبره وفود وزارية، دبلوماسية، ومواطنون عاديون.
الواقعة: رادار، واتساب، وتوقيع غائب
المخالفة التي نتحدث عنها تتعلّق بتجاوز السرعة، لكن محضرها يتضمّن ثلاث توقيعات لعناصر من الدرك، أحدهم لم يكن حاضرًا في مكان توقيف المركبة، بل كان يمسك بجهاز الرادار بعيدًا، في حين تولّى زميله تحرير المحضر وكتب اسم العنصر الأول مرفقًا بحرف “R”.
وهنا تبرز أسئلة دقيقة: هل “R” تعني rédacteur (أي المحرّر)؟ أم أنها طريقة التفاف للتوقيع نيابة عن شخص غير موجود؟ وهل يجوز قانونيًا تضمين اسم عنصر غائب في محضر رسمي، خاصة حين يُبنى عليه لاحقًا غرامات أو متابعات قضائية؟ والأهم من كل ذلك: هل يُعتد بصورة مرسلة عبر تطبيق واتساب كدليل إثبات في محضر ضبط رسمي؟
الدركي المعني بالحادث أجاب، بثقة، أن “الواتساب قانوني”، وأن الترقيم يُرسل لتسهيل المعاينة، لكن القوانين والتعليمات الصادرة عن القيادة العليا تؤكد صراحة حظر استخدام التطبيقات غير الرسمية في إعداد محاضر الضبط، خاصة تلك التي تتضمن معطيات شخصية كمعلومات المركبة وهوية السائق.
وثيقة قانونية… أم وثيقة قابلة للطعن؟
المحضر المذكور خلا من تحديد صفة الشخص الذي حرره، فاكتفى بذكر الرتبة العسكرية دون الوظيفة المباشرة، في خرق واضح لمقتضيات الوضوح والدقة التي يفرضها القانون في الوثائق الرسمية.
فهل يُعقل أن تقف مواطنة أو مواطن أمام القضاء، ويداهما مربوطة بمحضر لم يُعاين فيه الدركي الجهاز مباشرة؟ وهل يُقبل أن يُنجز المحضر بناءً على “صورة في الواتساب”، ثم “كلمة شرف شفوية” من عنصر لعنصر، دون ربط المعاينة الميدانية بالسند القانوني والإلكتروني الموثق؟
هذه التساؤلات، على بساطتها الظاهرية، تمس صميم مبدأ المحاكمة العادلة، وتفتح المجال أمام بطلان محتمل لأي إجراء ضبط إن لم يُستكمل شكليًا وماديًا.
ما وراء العبارة: مسؤولية مهنية أكبر من مجرد مخالفة
حين يقول رجل سلطة لمواطن: “سير عند الجنرال”، فإنه – دون قصد – يدعو إلى فتح نقاش واسع حول مدى جاهزية بعض عناصر الدرك لفهم ما يقومون به قانونًا، لا فقط في ما يخص ضبط المخالفات، بل في التوثيق الرسمي المحايد، والوعي بما تقتضيه مسؤولية حمل زيّ الدولة.
فالدرك الملكي، باعتباره ركيزة من ركائز الأمن بالمملكة، لا يحتاج فقط إلى العدة التقنية والانضباط، بل يحتاج أكثر إلى الاستيعاب العميق للقانون وتطبيقه بصرامة وعدالة في آن.
الدولة التي نحلم بها تبدأ من نقطة التفتيش
لسنا هنا في موقع تشكيك أو عداوة. ولكن حين تُطلب منا المواجهة المباشرة مع القيادة العليا، نختار أن نمارسها باحترام من خلال القنوات القانونية والإعلامية، واضعين بين أيدي المسؤولين حالة نموذجية يجب تفكيكها، لأنها تتكرر، وتصنع احتقانًا صامتًا عند كثير من المواطنين.
السيد الجنرال محمد حرمو، هذا المقال ليس طعنًا في الجهاز، بل هو نداء مواطن قبل أن يكون صحفيا مهنيا يرى فيكم عنوانًا للصرامة والتقويم… لأن الوثيقة التي يُنجزها رجل الدرك ليست ورقة عادية، بل مرآة لدولة القانون التي نراهن جميعًا على بنائها.
تعليقات الزوار