هبة زووم – الرباط
أعادت صحيفة “فوزبوبولي” الإسبانية الجدل إلى الواجهة بشأن مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في إسبانيا، بعد أن كشفت في تقرير مفصل أن الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، ومن خلال مقربين منه، يلمّح إلى إمكانية نقل قاعدتي “روتا” و”مورون” إلى المغرب، في ظل تصاعد التوتر مع مدريد بشأن الإنفاق الدفاعي.
هذا الطرح، الذي أطلق شرارته السيناتور السابق والمستشار الأمني روبرت غرينواي، يُعزز من فرضية تحول استراتيجي محتمل في تموقع القوات الأمريكية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو ما من شأنه أن يُغيّر ميزان التحالفات العسكرية في المنطقة، ويمنح الرباط مكاسب استراتيجية غير مسبوقة. غير أن تنفيذ الفكرة يواجه، حسب التقرير، ثلاثة عوائق رئيسية.
1. تحديات البنية التحتية العسكرية المغربية
أولى العقبات التي استعرضها التقرير الإسباني تتعلق بـ”القدرات اللوجستية والبنيات التحتية”. فالصحيفة ترى أن المغرب لا يتوفر، في الوقت الراهن، على قاعدة بحرية-جوية تضاهي من حيث التجهيزات والاستيعاب قاعدة “روتا”، التي تعد من أكبر منشآت البنتاغون في أوروبا.
ومع أن المغرب قطع خطوات مهمة في مجال تحديث معداته العسكرية وتوسيع شراكاته الدفاعية، إلا أن استيعاب أكثر من 3.000 جندي أمريكي مع مدمرات بحرية وأنظمة صاروخية متقدمة يحتاج إلى تحضيرات ضخمة واستثمارات هائلة.
2. عائق الناتو والحماية القانونية
العقبة الثانية تكمن في الإطار القانوني لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إذ لا يمكن نشر عناصر الدرع الصاروخي التابعة للحلف، بما فيها المدمرات المزودة بنظام AEGIS، في دولة ليست عضواً كاملاً في الناتو، كما هو حال المغرب.
قاعدة “روتا” تعتبر اليوم منصة رئيسية لمراقبة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومن ضمن مكوناتها وحدات تدخل سريع، ونظام حماية نووي وصاروخي متقدم، ما يجعل نقلها خارج أراضي الناتو قرارًا معقدًا قانونيًا واستراتيجياً.
3. الارتباط التاريخي والاجتماعي بإسبانيا
العائق الثالث الذي أبرزه التقرير يتمثل في البعد السوسيولوجي. فالوجود الأمريكي في “روتا” و”مورون” لم يعد مجرد وجود عسكري، بل أصبح جزءًا من النسيج الاجتماعي المحلي منذ اتفاقيات مدريد عام 1953.
وتُعد مدينة روتا اليوم موطناً لحوالي 3.000 عائلة أمريكية، وتطورت لتوفر بيئة متكاملة للعيش والخدمات والتعليم، وهو ما يصعب تعويضه بسهولة في سياق جديد.
المغرب… بين التحول الجيوسياسي والفرصة المحتملة
في المقابل، يلفت التقرير إلى أن المغرب يُتابع هذه التطورات بقدر عالٍ من الاهتمام، ويراها فرصة استراتيجية لتعزيز موقعه كحليف أساسي للولايات المتحدة في شمال إفريقيا.
وتأتي هذه المستجدات في سياق متين من التعاون العسكري المغربي-الأمريكي، تم تتويجه بمناورات “الأسد الإفريقي”، والتوقيع على اتفاقيات أمنية طويلة الأمد، وتوسع في شراكات التسلح وتبادل المعلومات.
ويُذكر أن فكرة نقل بعض القطع الأمريكية إلى المغرب ليست جديدة، فقد سبق تداولها خلال ولاية ترامب الأولى في تقارير صحفية أشارت إلى إمكانية تمركز جزئي في قاعدة “القصر الصغير”، وهي قاعدة بحرية جديدة ذات طابع استراتيجي.
خلفيات سياسية… وورقة ضغط أمريكية؟
يرى مراقبون أن دعوات المقربين من ترامب لنقل القواعد قد تكون ورقة ضغط سياسي واقتصادي على الحكومة الإسبانية، خصوصًا بعد توتر علاقات ترامب مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي رفض التوقيع على التزامات جديدة لرفع الإنفاق الدفاعي في قمة لاهاي الأخيرة.
وتضيف “فوزبوبولي” أن ترامب يفكر حتى في فرض تدابير جمركية على مدريد أو مقاطعة السياحة الأمريكية إلى إسبانيا، وهو ما إن تحقق، سيفتح أبواب تصعيد غير مسبوق بين واشنطن وعاصمة أوروبية من قلب الاتحاد الأوروبي.
بين الطموح والواقع
يبقى احتمال نقل قواعد “روتا” و”مورون” إلى المغرب، في المدى القريب، رهينا بتوازنات دولية معقدة، وبنية قانونية-عسكرية مترابطة داخل منظومة “الناتو”.
لكن مجرد طرح الفكرة يكرّس التحول المتسارع في موقع المغرب الجيوسياسي، كطرف موثوق وفاعل في معادلات الأمن الإقليمي، في وقت تستمر فيه الرباط في تعزيز أوراقها الاستراتيجية بين أوروبا وأمريكا وإفريقيا.
السؤال اليوم لم يعد إن كان المغرب قادراً على احتضان قواعد أمريكية، بل ما إذا كانت التوازنات الدولية ستسمح بذلك، في ظل خرائط تحالفات تعاد صياغتها على نار باردة.
تعليقات الزوار