الحي الحسني بين عبث النخب وصمت الدولة: كيف نجح الشنقيطي في إخضاع العاملة بنشويخ لإزاحة بودراع؟

هبة زووم – إلياس الراشدي
في قلب الدار البيضاء، وتحديدًا داخل عمالة مقاطعة الحي الحسني، لا يبدو أن السياسة تُمارَس بمفهومها النبيل كوسيلة لتدبير الشأن العام وخدمة المواطنين، بل أضحت حلبة لتبادل الولاءات وتصفية الحسابات.
المشهد السياسي والإداري بالمنطقة لا يعكس طموحات ساكنتها، بل يعكس مصالح متشابكة، يتزعمها أسماء لا تنتمي بالضرورة إلى الصف الأول من المنتخبين، بل من “الظل”، كالموثق الشهير، الذي صار يتحرك كما لو أنه الآمر والناهي، بسلطة لا تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع، بل من هندسة تحالفات خفية واستغلال هشاشة السلطة المحلية.
واحدة من أبرز علامات هذا الانحراف عن جادة السياسة السليمة، هي ما يوصف اليوم بـ”الانقلاب الناعم” على رئيس مجلس العمالة، بودراع، لصالح اسم آخر هو الشنقيطي.
انقلاب لم تُبنَ دوافعه على تقصير أو إخلال بالمهام، بل فقط استجابة لحسابات خاصة أعادت رسم خارطة الولاءات داخل العمالة، ويبدو أن العاملة بنشويخ، بدل أن تكون جزءًا من الحل، تحولت بحكم التجاذبات إلى أداة داخل المعادلة.
هذا التحول في التموقع السياسي يعيد للأذهان خطابات جلالة الملك محمد السادس، الذي حذّر مرارًا من “تقاذف المسؤوليات” و”تغليب الحسابات السياسوية الضيقة على مصلحة المواطن”.
فهل يعقل أن تظل العمالة لأزيد من سنة في حالة شلل إداري لمجرد أن مراكز النفوذ غير متوافقة؟ وأين كانت المصلحة العامة حين تُركت الساكنة تواجه مصيرها، بينما تُحاك في الخفاء تحالفات الإطاحة والتنصيب؟
إذا كان ما يُروَّج بشأن خضوع العاملة بنشويخ لنفوذ الشنقيطي والموثق المشهور صحيحًا، فإننا أمام حالة نموذجية لانهيار مبدأ “استقلالية السلطة الترابية”، وتحولها إلى مجرد امتداد لتحالفات انتخابوية.
والمثير في الأمر أن هذا التواطؤ، إن صح، لا يُمارس باسم القانون، بل باسم “التدبير” الذي يُخفي في طياته كثيرًا من العُقم والانتقائية، وتكريس الولاءات بدل الكفاءات.
إن حياد بنشويخ في وجه هذا الانزلاق يُفقدها ما تبقى من رصيد الثقة، ويجعلها أمام امتحان حقيقي في علاقتها بالدستور الذي يُعلي من شأن الحياد والإنصاف في تدبير الشأن المحلي.
فهل يُعقل أن تظل هذه التواطؤات مغمورة تحت يافطة الصمت الرسمي؟ وهل يُعقل أن يُختزل دور العامل في التوقيع على ما يتم التوافق عليه في الخفاء دون رقابة ولا مساءلة.
ما يحدث اليوم في الحي الحسني ليس سوى رأس جبل الجليد، إننا أمام مؤشرات خطيرة لتنامي الغضب الاجتماعي في صمت، غضب لا يعلنه الاحتجاج بالشارع بل يظهر في تآكل الثقة، وانتشار الشعور بالحيف، واستبطان فكرة أن لا شيء سيتغير، لأن الفساد يتكلم لغة السلطة، لا لغة الشعب.
وفي هذا السياق، فإن كلمات الملك محمد السادس تصلح أن تكون مرآة عاكسة لما يقع: “إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، أو أن تنسحبوا…”، لأن تعطيل المشاريع أو إسقاط مسؤولين فقط لأنهم لا يدورون في فلك معين هو خيانة للوطن، كما قال جلالته.
إن عمالة مقاطعة الحي الحسني تعيش اليوم مرحلة دقيقة، عنوانها الرئيسي هو تسخير السلطة لأجندات ضيقة، وتفكيك ما تبقى من الثقة بين الساكنة ومؤسسات الدولة. وإذا كانت بنشويخ ترى في ما يحدث وضعًا عاديا، فإن عليها أن تراجع أوراقها، لأن التاريخ لا يرحم المتواطئين، كما لا يرحم الضعفاء.
فهل ستتحرك وزارة الداخلية لتقييم أداء عاملتها ومساءلة المتورطين في العبث بالتوازنات المحلية؟ أم أن الحي الحسني سيظل رهينة لصفقات من خلف الستار، تُمرَّر فيها القرارات بنفس أدوات المكر السياسي التي حذر منها جلالة الملك؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد