المحكمة الدستورية على المحك: هل يحسم قرارها الجدل حول مشروع قانون المسطرة المدنية؟

هبة زووم – الرباط
في سياق سياسي وقانوني محتدم، يترقّب الرأي العام الوطني، وخصوصًا الفاعلين في حقل العدالة، قرار المحكمة الدستورية المرتقب بشأن مدى دستورية مشروع القانون المتعلق بالمسطرة المدنية، الذي حاز موافقة البرلمان بغرفتيه.
القرار المنتظر يُتوقع أن يشكّل لحظة فاصلة، ليس فقط في مسار التشريع، بل في إعادة ترتيب العلاقة بين النصوص القانونية والدستور، وبين المؤسسات المنتخبة والهيئات الرقابية.
الإحالة على المحكمة الدستورية جاءت في 9 يوليوز 2025، بقرار من رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي، استنادًا إلى الفصل 132 من الدستور، والمادة 23 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، وكذا المادة 359 من النظام الداخلي لمجلس النواب. هذه الإحالة، وإن كانت غير ملزمة من الناحية الشكلية باعتبار أن الأمر لا يتعلق بقانون تنظيمي، إلا أنها تندرج ضمن التفاعل المؤسساتي مع الجدل الواسع الذي أثارته بعض مواد المشروع، خصوصًا تلك التي رآها البعض متعارضة مع مقتضيات دستورية صريحة.
ويُعتبر مشروع قانون المسطرة المدنية حجر الزاوية في تحديث منظومة العدالة بالمغرب، إلى جانب المسطرة الجنائية والقانون الجنائي، حيث يروم تبسيط الإجراءات، وتسريع وتيرة التقاضي، وتكريس الضمانات الدستورية للمتقاضين.
غير أن بعض مواده أثارت ملاحظات وانتقادات من فئات مختلفة من الممارسين والخبراء، لا سيما فيما يخص آجال التقاضي، وتوسيع صلاحيات القضاة، والتعامل مع التنفيذ القضائي، ما جعل بعض الأصوات تطالب بمراجعة المشروع قبل إخراجه إلى حيز التنفيذ.
المثير في هذه الإحالة، أنها تأتي في وقت أصبح فيه القضاء الدستوري لاعبًا محوريًا في ضبط الإيقاع التشريعي، ومرجعًا للقول الفصل في مدى التزام النصوص القانونية بروح ومضمون الدستور.
وهو ما يجعل من قرار المحكمة الدستورية المقبل اختبارًا جديدًا لمدى استقلالها، وقدرتها على التأويل التقدمي للنصوص، خصوصًا في ظل التوازن الدقيق بين ضرورة الإصلاح ومقتضيات السند الدستوري.
وتبعًا لذلك، فإن المتابعين يرون أن الإحالة تكتسي أيضًا بُعدًا سياسيًا ضمنيًا، إذ تعكس حرص المؤسسة التشريعية على تقنين مخرجاتها وتحصينها من الطعن، في ظل واقع سياسي يتسم بتزايد الضغط من المجتمع المدني والهيئات المهنية لضمان تشريعات عادلة ومنصفة.
كما أن الإشارة في بلاغ رئيس مجلس النواب إلى أن الإحالة جاءت “وفاءً بالتزام سابق خلال المناقشة” تُوحي بأن هناك إدراكًا مبكرًا لوجود مواد قد تكون محل جدل، ما يفتح الباب لتأويلات حول خلفيات اعتمادها من الأساس، رغم التحفظات المثارة في لجنة العدل والتشريع.
وفي انتظار رأي المحكمة الدستورية، تبقى أعين المهتمين شاخصة نحو هذه الهيئة التي باتت تضطلع بدور يتجاوز الرقابة الشكلية على النصوص، إلى مساءلة فلسفة التشريع وغاياته. فهل ستنتصر المحكمة لقراءة ضيقة وشكلية للنصوص، أم ستختار تأويلًا موسعًا يضع المواطن في قلب المعادلة الدستورية؟
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط لقياس مدى تطور التجربة الدستورية المغربية، بل لتحديد ملامح الثقة في التشريع وفي دولة المؤسسات، في مغرب ما بعد دستور 2011.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد