هبة زووم – الرباط
أعاد الإعلان الرسمي عن منح تراخيص جديدة لاستغلال شبكات المواصلات باستعمال تكنولوجيا الجيل الخامس (5G) النقاش إلى الواجهة بشأن الشفافية وتكافؤ الفرص في قطاع الاتصالات بالمغرب، وسط تساؤلات متزايدة حول شروط التقييم والتكلفة المالية مقابل حجم الطيف الترددي الممنوح.
ففي بلاغ أصدرته الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT)، أكدت الأخيرة أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش صادق على التقرير الذي أعدته الوكالة عقب اجتماع مجلس إدارتها يوم 25 يوليوز الجاري، والمتعلق بمنح تراخيص الجيل الخامس لثلاث شركات: اتصالات المغرب، أورانج المغرب (ميدي تيليكوم)، ووانا كوربوريت.
أرقام غير متناظرة تثير التساؤلات
وبحسب نتائج التقييم، حصلت كل من اتصالات المغرب ووانا كوربوريت على 87 نقطة، فيما نالت ميدي تيليكوم 85 نقطة، وهي فروق طفيفة لا تعكس – بحسب بعض المتابعين – التفاوتات الكبيرة في الحصة الترددية الممنوحة والمقابل المالي المدفوع.
فشركة اتصالات المغرب حصلت على ترخيص استغلال 120 ميغا هرتز مقابل 900 مليون درهم، في حين منحت لكل من “ميدي تيليكوم” و”وانا كوربوريت” 70 ميغا هرتز فقط مقابل 600 مليون درهم لكل منهما.
ورغم أن الحصة الأكبر تبدو منطقية نظريًا مقابل السعر الأعلى، إلا أن غياب المعطيات التقنية المفصلة حول نوعية الطيف ومجاله الزمني يجعل من الصعب تقييم مدى عدالة هذا التقسيم.
تضارب مصالح.. من جديد؟
ويستحضر الرأي العام الوطني في هذا السياق ملف تضارب المصالح الذي لطالما طارد قطاع الاتصالات، خاصة في ظل تقاطع مصالح الفاعلين الاقتصاديين الكبار مع مواقع القرار السياسي، في وقت يطالب فيه المهنيون والمراقبون بضرورة ضمان استقلالية المؤسسات التنظيمية وتحصينها من أي ضغوط أو تأثيرات خارجية.
ويأتي هذا في وقت يتولى فيه رئيس الحكومة قيادة حزب يملك علاقات تجارية مع عدد من الفاعلين الاقتصاديين في السوق، ما يزيد من حدة النقاش حول مدى توفر شروط التنافسية النزيهة.
استثمارات ضخمة بتأثيرات غامضة
ويُنتظر أن تبلغ قيمة الاستثمارات وتكاليف الاستغلال المتعلقة بشبكات الجيل الخامس حوالي 80 مليار درهم بحلول عام 2035، بحسب بلاغ الوكالة، وهو رقم ضخم يطرح تساؤلات جدية حول من سيتحمل تكلفته في نهاية المطاف، خاصة مع ضعف خدمات الاتصالات في عدد من المناطق القروية والهامشية، حيث لا تزال تغطية الجيل الثالث والرابع غير مكتملة.
وفي هذا الإطار، التزمت الشركات المرخص لها بتغطية 45٪ من السكان بحلول نهاية 2026، و85٪ بحلول نهاية 2030، وهي أرقام تبدو طموحة لكنها لا تضع سقفاً لمساءلة الأداء أو عقوبات في حال الإخلال بهذه الالتزامات.
غياب الرأي العام وتهميش المجتمع المدني
ويلاحظ غياب شبه تام لأي مشاورات عمومية أو نقاش مؤسساتي موسع حول آثار الجيل الخامس، سواء على الصحة أو على المعطيات الشخصية أو حتى على المنافسة الحرة، في وقت تشتد فيه الدعوات إلى تعزيز الشفافية وضمان مشاركة مجتمعية أوسع في القرارات التي تمس البنية التحتية الرقمية.
ففي الوقت الذي يُنظر فيه إلى تكنولوجيا الجيل الخامس كفرصة استراتيجية لتسريع التحول الرقمي وتعزيز التنافسية الاقتصادية، يحذر الخبراء من أن طريقة توزيع التراخيص وغياب الشفافية قد تؤدي إلى إعادة إنتاج نفس أنماط التحكم في السوق والريع الرقمي، ما يُضعف الثقة في المؤسسات ويقوض مبدأ الحوكمة.
فهل نحن أمام قفزة تكنولوجية حقيقية نحو المستقبل، أم أمام إعادة ترتيب للامتيازات بأدوات جديدة؟ سؤال مفتوح ستجيب عنه السنوات القليلة المقبلة، حين تبدأ التغطية… أو تتأخر.
تعليقات الزوار