الجديدة: الأرصفة تتحول إلى سوق للتسول والظاهرة تتمدد وتكشف أعطاب السياسات الاجتماعية

هبة زووم – الجديدة
لم يعد مشهد التسول في شوارع الجديدة مجرد حالات معزولة تفرضها الحاجة، بل تحول إلى ظاهرة واسعة الانتشار، تعكس اختلالات عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية، وتطرح أسئلة حقيقية حول نجاعة السياسات العمومية في مواجهة الهشاشة.
في أبرز شوارع المدينة ونقاطها الحيوية، يتزايد حضور المتسولين بشكل لافت، من أطفال وشباب وشيوخ، نساء ورجال، بل وحتى مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
هذا الانتشار الكثيف أصبح جزءاً من المشهد اليومي، إلى درجة أنه يغني عن أي إحصائيات رسمية، التي تبقى في الأصل شبه غائبة أو متجاوزة.
غياب معطيات دقيقة ومحيّنة لا يعكس فقط ضعف الرصد، بل يشكل عائقاً أمام صياغة سياسات فعالة، قادرة على فهم الظاهرة ومعالجتها من جذورها، بدل الاكتفاء بمقاربات ظرفية لا تغير من الواقع شيئاً.
عدد من المتتبعين يرون أن التسول لم يعد دائماً نتيجة مباشرة للفقر، بل تحول في بعض الحالات إلى نشاط منظم يدر دخلاً يومياً، خاصة في المواقع التي تعرف حركة كبيرة.
هذا التحول يطرح إشكالاً مركباً، حيث تختلط الحاجة الحقيقية بالاستغلال، وتتشابك المعاناة الإنسانية مع مظاهر الاحتيال.
بل إن بعض النقاط داخل المدينة تحولت إلى ما يشبه “مجالات نفوذ”، يتنافس حولها المتسولون، في مشهد يكرس فكرة أن الظاهرة تجاوزت بعدها الاجتماعي لتأخذ طابعاً اقتصادياً غير مهيكل.
الأكثر إثارة للقلق هو تزايد حضور الأطفال القاصرين في مشهد التسول، في وضعيات إنسانية صادمة، تعكس فشلاً جماعياً في حمايتهم. هؤلاء الأطفال لا يمثلون فقط ضحايا الفقر، بل ضحايا منظومة حماية اجتماعية عاجزة عن احتضانهم.
وتشير المعطيات إلى أن أسباب الظاهرة متعددة، من الفقر والتفكك الأسري، إلى الطلاق، وفقدان المعيل، وضعف المستوى التعليمي، إضافة إلى تراجع آليات التضامن التقليدية التي كانت توفر نوعاً من الحماية داخل المجتمع.
ما تعيشه الجديدة ليس حالة استثنائية، بل امتداد لوضع عام يتسم بتغيرات عميقة في البنية الاجتماعية، حيث تراجعت قيم التكافل، وتزايدت هشاشة فئات واسعة، في مقابل غياب تدخلات ناجعة تعيد التوازن.
كما أن الاقتصار على المقاربة الأمنية، رغم أهميتها، لن يكون كافياً ما لم يُواكب بسياسات اجتماعية واقتصادية تعالج جذور المشكلة، وتوفر بدائل حقيقية للفئات الهشة.
أمام هذا الوضع، تتعالى الدعوات إلى ضرورة تكثيف الحملات الميدانية، لكن أيضاً إلى إطلاق برامج إدماج اجتماعي واقتصادي، تستهدف المتسولين، خصوصاً الأطفال، وتعيد إدماجهم في منظومة التعليم والحماية.
وفي ظل هذا الواقع، يظل السؤال الجوهري مطروحاً: هل ستظل شوارع الجديدة مرآة لفشل السياسات الاجتماعية، أم أن الوقت قد حان لمعالجة جذرية تعيد الكرامة للفئات الهشة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد