قانون 1914 يحمي سلامة المواطنين؟ مزور يعترف بتقادم الإطار القانوني ويؤجل الإصلاح بخط أحمر

هبة زووم – الرباط
في خطوة نادرة من نوعها، أقرّ وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، بأن الإطار القانوني المؤطر للمنشآت الصناعية والتجارية الخطرة يعود إلى ظهير سنة 1914، أي لأكثر من قرن من الزمان.
اعتراف يبدو شجاعاً في ظاهره، لكنه في واقع التدبير الحكومي يطرح سؤالاً وجودياً مُحرِجاً: إذا كان القانون متقادماً إلى هذا الحد، فلماذا استغرق استبداله أكثر من 100 سنة؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل سلامة المواطنين من أولوية عاجلة إلى خط أحمر يُستخدم كذريعة لتأجيل الإصلاح تحت غطاء النقاش التشريعي؟
فبينما يُفترض أن تكون السلامة الصناعية من المسلمات التي لا تقبل التأجيل، يجد المواطن نفسه أمام منظومة قانونية تعود لزمن الحماية الفرنسية، في وقت تشهد فيه البلاد تحولات صناعية وبيئية متسارعة.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث التقادم بينما يُترك المواطن يتفرج على أمنه وهو يُدار بقوانين متحفية أمام عينيه؟
وفي هذا السياق، سجل الوزير أن هذا الظهير كان يهدف إلى تصنيف وتأطير مختلف المنشآت، سواء الصناعية أو التجارية أو الخاصة بالتخزين، والتي قد تنطوي على مخاطر مثل الانفجارات أو التلوث، لكن مضامينه – بحسبه – لم تعد تواكب التحولات التي شهدها القطاع، خاصة مع صدور ترسانة قوانين جديدة، لاسيما البيئية منها.
وشدد الوزير على أن استبدال القانون القديم مطروح للنقاش، لكن مع جعل الأولوية لضمان سلامة وأمن المواطنين الذي أكد أنه خط أحمر، عبارة قد تبدو مطمئنة في ظاهرها، لكنها في جوهرها تطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كانت السلامة هي الخط الأحمر فلماذا لا تكون أولوية التشريع الجديد بدلاً من النقاش المفتوح؟
فتحويل السلامة من واجب عاجل إلى شعار خطابي لا يُهدر فقط حقوق المواطنين، بل يُعمّق شعورهم بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل المسؤول من حامي للأمن إلى حارس للخطاب.
وكشف مزور أن وزارة التجهيز والماء أعدت مشروع قانون جديد يحمل رقم 44.25، يوجد حالياً على مستوى الأمانة العامة للحكومة، معلومة تبدو “تفاؤلية” في ظاهرها، لكنها في واقع التدبير التشريعي المغربي قد تتحول إلى ذريعة انتظار إذا لم تُرافق بآجال ملزمة.
هذا الواقع المر يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا تُعلن الأمانة العامة للحكومة عن جدول زمني لمناقشة وإصدار مشروع القانون 44.25، بدلاً من تركه في منطقة رمادية من الانتظار؟ وأين هي آلية الشفافية التي تسمح للمواطنين والمستثمرين بمتابعة مسار المشروع، بدلاً من ترك الشكوك تُحيط بمصيره؟ وكيف يمكن ضمان تطور القطاع بينما تُترك شبهات التأجيل تُحيط بملفات حساسة كالسلامة الصناعية؟
اليوم تحويل المشروع التشريعي من أولوية وطنية إلى ملف إداري لا يُهدر فقط فرص الإصلاح، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي تُقدم راحة البيروقراطية على شرف الاستعجال.
وأبرز الوزير أن الحكومة حاولت في بداية ولايتها إعداد مشروع قانون خاص بالصناعة الكيميائية، غير أن تداخل اختصاصات الظهير مع باقي المجالات، بما فيها أنشطة تخزين غاز البوتان، حال دون تنزيله.
تفسير يبدو “تقنياً” في ظاهره، لكنه في واقع الحكامة الحكومية يطرح سؤالاً وجودياً: إذا كان التداخل هو العائق فلماذا لا تُعلن الحكومة عن آلية تنسيق بين الوزارات لحسم هذه الإشكالية؟ حيث لم يعد مقبولاً أن تُترك ملفات السلامة الصناعية رهينة القوانين المتحفية وصمت التحديث.
ما يعيشه المغرب اليوم مع ملف الإطار القانوني للمنشآت الخطرة ليس ثغرة تشريعية عادية، بل هو اختبار وجودي لمصداقية السياسات الصناعية وقدرة الحكومة على تجاوز عقلية التقادم لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحول وعود التحديث من كلمات في جلسة برلمانية إلى قوانين نافذة على الأرض، مع إرادة سياسية حقيقية ومحاسبة فعلية، وإما أن تستمر ثقافة التقادم التي تُحوّل المسؤولية من تكليف لحماية المواطن إلى مغنم لتأجيل الإصلاح وتُهدر ثقة المغاربة في قدرة مؤسساتهم على ضمان أمنهم الصناعي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد