الصهيوصينية والكوفية الجزائرية بالمغرب والموقف الفلسطيني المعادي للوحدة الترابية

هبة زووم – إبراهيم طاسين
في آخر خرجة للرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) حول ملف غزة أكد أن المفاوضات وصلت إلى الباب المسدود مع حماس في ملف غزة، خصوصا أن حماس تأكدت أن تسليم العدد القليل من الرهائن المتبقين عندها قد يؤدي إلى تسريع نهايتها. ففضلت أن تلعب ورقة إبادة ساكنة غزة لكسب تعاطف إنساني قد يحلحل الملف ويضمن بقائها في الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط وتسريع موقف فرنسا وألمانيا بعد إسبانيا في حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة. آخرها تصريح (إمانويل ماكرون) في إمكانية اعتراف فرنسا بدولة فلسطين، وكان جواب (دونالد ترامب) أن كلام (ماكرون) ليس له أي قيمة، في إشارة إلى الضعف الأوروبي في الخارطة الجديدة للعام، وأن أوروبا لن تستطيع الخروج عن موقف إسرائيل وأمريكا. إضافة إلى الدعم الروسي الحذر في حق دولة إسرائيل في الوجود، وكذلك الموقف الصيني المؤيد للصهيونية قبل اليهودية. إلا أن الكثير من الكوفيين المغاربة بجلباب جزائري يراهنون على سراب دول الممانعة التي انهارت في الحرب الأخيرة بعد السابع من أكتوبر، وكانوا يصنفون الصين من دول الممانعة إلى جانب الملف الفلسطيني، وقد اتضح هذا جليا بعد سقوط دول الطوق والضربات الموجهة لإيران وانشغال الروس بالحرب في أوكرانيا، خصوصا بعد الانقلاب الذي نفذته تركيا أردوغان ضد الروس في سوريا، شيء لن تنساه روسيا بوتن لتركيا أردوغان، ليبقى موقف الصين من الصهيونية قبل اليهودية واضحا، إلا في عيون الكوفيين المغاربة الذين يصرون في تصنيف الصين ضمن دول الممانعة، وهذا يؤكد أنهم وضعوا كل بيضهم في سلة الجزائر التي تربط بين البوليساريو وفلسطين من السبعينات إلى اليوم عبر القوميين العرب والقومجيين الانفصاليين المغاربة، علما أن الجزائر دولة مصطنعة كما أكد الرئيس (تبون) في آخر لقاء صحفي أن عمرها لا يتجاوز (63) سنة.
وأي دولة مصطنعة ومختلقة من الضلع الأيسر للتاريخ، تكون في حاجة ماسة إلى دولة قوية لحمايتها، وهذا ما فعلته فرنسا، إلا أن فرنسا اليوم تحتضر بعد نهاية أسطورة الثورة الفرنسية ومخرجات الحرب العالمية الثانية عند الأمريكيين. ليبقى السؤال المطروح: ماذا الجزائر فاعلة مع هذه الحتمية التاريخية، خصوصا أنها لا تمتلك مقومات اللوبي الصهيوني الديناميكي وذا البعد الاقتصادي العابر للقارات، والتفوق التكنولوجي الذي يقايض به عند الحاجة مع أمريكا وروسيا والصين؟ وماذا القومجيون المغاربة هم فاعلون بعد سقوط أطروحة الجزائر الانفصالية بسقوط أطروحة البوليساريو المدعمة من كافة الفصائل الفلسطينية، يامن تقولون بغزة قبل تارة؟
I. الفصائل الفلسطينية والوحدة الترابية للمملكة المغربية
إن العلاقة بين البوليساريو والفصائل الفلسطينية قديمة تمتد إلى سبعينات القرن الماضي أسس لها (جورج حبش) مؤسس حركة القوميين العرب ومؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وضل أمينا عاما لها منذ 1967 إلى سنة 2000، وهو مهندس الخط الإيديولوجي لجبهة البوليساريو ولعلم الجبهة الصحراوية، خصوصا بعد لقائه في لبنان (بالوالي مصطفى السيد) مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب، والذي أعلن عن قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في 27 فبراير 1975، أتبعه (جورج حبش) بلقاء مع الأمين العام الحالي لجبهة البوليساريو سنة 1979 (إبراهيم غالي) الذي خلف (محمد عبد العزيز المراكشي) بعد وفاته في 9 يوليو 2016، السنة التي استطاعت فيها الرباط من اختراق موقف حماس من جبهة البوليساريو، توج بمنع حماس للجنة التضامن الفلسطينية مع الصحراء الغربية من دخول غزة، شيء لم يدم طويلا، خصوصا بعد بداية الحرب على غزة، وقيام حزب الله اللبناني بدور جورج حبش لصالح البوليساريو في هذه الفترة في تقسيم واضح للأدوار بين الفلسطينيين واللبنانيين، وتقاسم الأفكار مع البوليساريو والأفعال حول أساليب النضال المشترك وحرب العصابات ضد كل من إسرائيل والمغرب، توجت باعتراف جبهة البوليساريو بدولة فلسطين والإعلان عن ذلك في 15 نونبر 1988 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
آخرها الندوة التي نظمتها البوليساريو في الضاحية الجنوبية لبيروت والتي احتضنها حزب الله في لبنان تحت عنوان (من الصحراء الغربية إلى فلسطين الإبادة مستمرة)، وبحضور خمسة أحزاب عربية من لبنان واليمن والجزائر والأردن وسوريا، في دورة جديدة للمؤتمر القومي العربي، وذلك لتشبيه النزاع حول الصحراء بالقضية الفلسطينية.
هذا ما أدى (بعمر هلال) المبعوث الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة إلى تجديد التنبيه على أن إيران وحزب الله اخترقوا تندوف وشمال أفريقيا وانتقلوا من مرحلة تدريب البوليساريو إلى تسليحهم بالصواريخ والطائرات المسيرة بعد زعزعتهم لاستقرار اليمن وسوريا والعراق.
فإذا كانت البوليساريو قد استعملت نفس العلم الفلسطيني وأضافت إليه النجمة والهلال الموجودين في العلم الجزائري العثماني، واعتمدت نفس التوجه اليساري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المنضوية تحت الهلال الشيعي، ففي 29 فبراير 1980 ألقى (جورج حبش) خطابًا خلال زيارته لتندوف قائلاً: “يا جماهير الشعب الصحراوي البطل، باسم الثورة الفلسطينية أحيي نضالكم ضد نظام المخزن الخائن والعميل بالمغرب، ونضالكم ضد الحسن الثاني… الذي نعتبره عدواً لنا كما هو عدواً لكم”.
وفي 20 أبريل 2021 أكد بمخيمات تندوف الممثل الدائم للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالجزائر (أبو علي هلال) والمنسق العام لشبيبة هذه الجبهة (محمد أبو زبيدة) دعمهما غير المشروط لجبهة البوليساريو لتحرير أراضيهم من (الاحتلال المغربي) تحت شعار (النصر للبوليساريو والحرية للصحراء)، واصفين المغرب بدولة الاحتلال. وقد تورطت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في حمل السلاح ضد الجيش المغربي وإهراق الدم المغربي على رمال الصحراء المغربية منذ 1975 إلى سنة 1991، وذلك بالتدريب العسكري على حرب العصابات والمشاركة المباشرة ضد المغرب، وتطور فيما بعد إلى الدعم المباشر من طرف حزب الله وإيران بالسلاح والتدريب، ومنها التدريب على حفر الأنفاق.
وفي 21 أبريل 1987 استقبل (ياسر عرفات) الأمين العام السابق لجبهة البوليساريو (محمد عبد العزيز المراكشي)، والذي ألقى كلمة أمام تصفيقات (ياسر عرفات) قائلاً: “إن الشعب الصحراوي يعاني من الاحتلال المغربي كما يعاني الشعب الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي”… وكثيرًا ما كان ياسر عرفات يراهن على الأوراق الخاسرة، كما فعل في حرب الخليج الأولى واصطف إلى جانب (صدام حسين). وقد كان رد فعل المرحوم الملك الحسن الثاني قوياً في خطابه الشهير حين قال: “على أي مسؤول مغربي أن ينسحب فورًا من أي اجتماع يحضره مسؤولون فلسطينيون”.. وأضاف: “أنا ضمير المغاربة.. فبقاء أي مغربي في اجتماع يحضره فلسطينيون.. فإنه انتقام في حق أرواح شهدائنا بالصحراء المغربية، الذين شبهوا بالصهاينة.. ومن يفعل ذلك سيُطلّى باب بيته – بداكشي لي ما تيتذكرش -“.
وفي شهر شتنبر 2020 نشرت حركة فتح خريطة المغرب مبتورة عن جنوبه في عهد (محمود عباس) على موقعها الرسمي بعد أخذ 200 مليون دولار من الجزائر في لقائه بتبون كعربون محبة على مواقفه السابقة، والتي كللت بحضوره إلى جانب (إبراهيم غالي) في الاستعراض العسكري الجزائري الذي يذكر بالاستعراضات العسكرية أثناء الحرب الباردة، والتي عفى عنها الزمن الاستراتيجي للدول الفاعلة في العالم وتجاوزها التاريخ الاستراتيجي للإستراتيجيات الحديثة المبنية على القوة والبرغماتية الاقتصادية ولغة المصالح ليس إلا، ولا مكان للعاطفة الإنسانية في ظلها، لأن عهد التذكير بالهولوكوست كورقة إنسانية قد شُطب من الأجندة الأمريكية والإسرائيلية.
كما أن ممثل فلسطين في الاتحاد الأوروبي قال: “إنه ينال شرف الدفاع عن قضية الشعب الصحراوي ضد نظام الأبارتايد المغربي، والذي يعاني منه الشعب الصحراوي والشعب الفلسطيني من أجل عدالة وقدسية قضيته”. وفي 28 يونيو 2015 قالت حنان الشعرواي: “إن الشعب الصحراوي توأم الشعب الفلسطيني في النضال من أجل التحرر”، وفي نونبر 2020 أكد سفير فلسطين بالجزائر أنه يدعم حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، واستقلال هذه الدولة العربية الصحراوية. وفي يوليوز 2023 قال (جبريل رجوب) في دورة الألعاب العربية في الجزائر: “هناك سنفونية لحنها الأمريكيون والإسرائيليون في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتجاوز القضية الفلسطينية… كما اتكاء المغرب على إسرائيل لتجاوز قضية الشعب الصحراوي”.
وفي 2020 أكد السفير الفلسطيني (جمال الشبكي) على أن جميع الفصائل الفلسطينية داعمة لجبهة البوليساريو بما فيهم حماس والجهاد الإسلامي. وفي سنة 2024 نشرت وزارة الخارجية الفلسطينية خريطة المغرب مبتورة عن جنوبه في موقعها الرسمي، ونشرت كذلك لائحة الدول التي تعترف بفلسطين ومن ضمنها جمهورية الوهم، جمهورية (الكياطن أو العجاج)، الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية بتندوف.
كما دعا (خالد مشعل) إلى الخروج في المغرب في مظاهرات ضد التطبيع في تدخل سافر في الشؤون الداخلية لدولة يقول إنها صديقة وفي ضيافة للجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية بعد توقيع العثماني على التطبيع، ووظف في ذلك أحمد ويحمان ومن معه، كفكر قومجي يساري مؤمن بالخط الفكري لطلحة جبريل مدعوم بالخط الإخواني لحماس والتيار الشيعي الإيراني لحزب الله، وفي سردية معدة في مطابخ المخابرات العسكرية الجزائرية، وكلهم يؤدون مناسك حجهم في المؤتمر القومي العربي المحضون من طرف لبنان حزب الله وإيران الخامنئي وقبلهم سوريا الأسد وجزائر بوخروبة، إلا أن البرغماتية السياسية والواقعية الجيوسياسية المبنية على المصالح الاقتصادية، قد هزمت سياسة الممانعة الهادفة لشروط تفاوضية أحسن عبر منطق المقاومة وحرب العصابات.
فهل ستتجه الجزائر نحو الصين ومعها الكوفيين المغاربة؟ أم للصين رأي آخر؟ أم أنهم يراهنون دائمًا وأبدًا على الحصان الخاسر؟
II. السياسية الصهيوصينية لتحويل الصين من دولة متخلفة إلى مهيمنة في حدود 2050
تعتبر الصين دولة صاعدة في ظل دولة مهيمنة ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية. لذا تتشبث الصين بسياسة متعددة الأوجه وخاصة في الشرق الأوسط، والتي أعطت انطباعًا للدول العربية بصداقة الصين لهم وفي كنفهم الشعوب العربية، وخاصة الأصوات الممانعة داخل هذه الدول، وذلك في ظل طموحها إلى تحويل قوتها الاقتصادية إلى قوة عسكرية مهيمنة انتقلت من الثورة إلى الثروة، وتطمح إلى تحويل هذه الثروة إلى قوة عسكرية. حيث أن خطاب الدولة الصينية ليس هو سلوكها على أرض الواقع، فسنة 1979 تخلت الصين عن الخطاب الماوي الشيوعي الاشتراكي لصالح خطاب مناهض للهيمنة وموضح لعدم سعيها إلى التوسع والهيمنة. هذا الخطاب تطور بعد (ماوتسيتونغ) من إيديولوجي إلى إصلاحي وانفتاحي بعد الثورة الثقافية للصين، تخلت من خلاله على خطاب التحرر.
وفي مرحلة الرئيس (دينغ شاو بينغ) مهندس الإصلاح والانفتاح، استطاع تدجين الاشتراكية وخلطها بالرأسمالية ووضعهما في قالب نظام سياسي واحد يساير الإمبريالية ولا يعاديها، أدى إلى الانفتاح على النموذج الغربي لإنشاء نظام اقتصادي دولي جديد تتدارك من خلاله الصين التأخر الحاصل في هذا الباب. الناتج عن غيابها ومشاركتها في إنشاء النظام الاقتصادي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، لأن لا تأثير اقتصادي عالمي لها آنذاك لتكون مع الكبار. لذلك تبنت خطاب الرفض للتوسع والهيمنة منذ 1979 إلى اليوم، حيث بدأ الترويج لفكرة الصعود السلمي للصين عبر استراتيجية (القوة الناعمة)، شيء أكده الرئيس الصيني (شي جين بينغ) سنة 2019 في الاجتماع الوطني الصيني لتقييم مشروعها الخماسي، حيث قال: “نحن نريد أن نصبح واحدة من الدول العظمى في النظام الدولي الجديد”.
هذا الخطاب تحول سنة 2022 إلى الرغبة في قيادة العالم، حيث قال الرئيس (شي جين بينغ): “نحن نسعى إلى قيادة العالم عبر تطوير قدراتنا الاقتصادية والعسكرية والثقافية بحلول 2050”. إلا أن أغلب المحللين العرب يؤمنون أن الصين مع النظام المتعدد الأقطاب بعد التحاق الصين بمنظمتي (البريكس وشنغهاي)، والحقيقة أنها انطلقت من هاتين المنظمتين إعلانا عن رفضها لقيادة الأمريكيين للعالم ليس إلا.
على عكس ما قاله دماغ الرئيس الروسي (ألكسندر دوكن) والتعلب الأمريكي (هنري كيسنجر)، فسلوك الصين في منظمتي (البريكس وشنغهاي) جمع بين أعداء وأصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية لتشتيت ولائهم لأمريكا عبر سياسة التعاون والربح المشترك، دون أن تضع الدولار الأمريكي كهدف لإضعافه، لأنها بكل بساطة تمتلك أكبر احتياطي للدولار الأمريكي في العالم.
أما في مسألة البترول فهي تتعامل بسياسة (البترويوان) وكذلك نظام المقايضة. ففي تقرير صيني صادر سنة 2022 تحت عنوان (الهيمنة الأمريكية ومخاطرها) ركز على سرد تاريخي لأمريكا منذ نشأتها إلى اليوم على جرائمها العسكرية، في الوقت الذي طُبل للصين وأبرزها على أنها دولة تحترم كل الشعوب، وقدمها على أنها النموذج البديل في العلاقات البينية بين الدول، وقوامه شعار (رابح رابح وليس تابع خاضع). وهذا خلف انطباعًا عاطفيًا عالميًا وخاصة عند الشعوب العربية على أن النموذج الصيني هو الأفضل.
III. الإيديولوجيات الصينية وعلاقتها بالصهيونية وباليهودية
أكيد أن البحث العلمي لا يعتمد على الانطباع بل على جواب لسؤال يُطرح، لأن أغلب الكتاب والمفكرين العرب لهم انطباع أن الصين دولة إيجابية في دعمها لفلسطين وللعرب في قضيتهم ضد إسرائيل، وهذا يردد على المستويين الشعبي والرسمي للدول العربية.
فإذا كانت الصهيونية نفسها قد نشأت في ظل دول صاعدة كألمانيا وبريطانيا لدورهما الاستعماري في الشرق الأوسط قبل (وعد بلفور)، فإنها كانت تقوي نفوذها كذلك في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وكذلك روسيا بدعم شيوعية (لينين وتروتسكي). فهي حركة ديناميكية استهدفت كل الدول الصاعدة مع ارتباط جدري بالدول الاستعمارية المهيمنة آنذاك كفرنسا وبريطانيا. فالصهيونية تؤمن بأن أي دولة مصطنعة ومختلقة من خارج رحم التاريخ هي في حاجة إلى دولة قوية لتحميها، وتبقى عينها دائمًا على الدول الصاعدة، وتعتمد دائمًا على الارتباط بها لتضمن استمرارها ضد مسار التاريخ، والذي غالبًا ما يطفو إلى واجهة الأحداث لأن من ورائه دائمًا طالب حق مسلوب. وهذه من أهم مبادئ العبقري (بونغوليون)، والذي تعلم الصينية وهو في سن الستين (60)، حيث قال قولته الشهيرة: “الصين والهند قادمتان”، لأنه كان يدرك أنه كما أن هناك (وعد بلفور بريطاني)، فكذلك هناك (وعد بلفور صيني)، لأن الصين ليست داعمة لفلسطين، وليست طرفًا محايدًا في القضية الفلسطينية، بل هي شريك للنظام الاستعماري الاستيطاني وفي إنشاء المستوطنات على أراضي 1967 وفي القدس الشريف وخاصة القدس الشرقية، والتي تقر الشرعية الدولية والأمم المتحدة في قرارها لسنة 1947 على أنها أراضي فلسطينية، والمبني على حل الدولتين.
فالعلاقة بين الصهيونية والصين أكملت قرنًا من الزمن بالتمام والكمال منذ 1920 إلى اليوم، بدأت بدعم الصهيونية وانتهت بالاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية. ففي سنة 1920 كان الرئيس الصيني (سين ياتسين) أول رئيس للجمهورية بعد سقوط الإمبراطورية الأخيرة للصين، قد توصل بمكتوب من اليهودي (إيلي عزرا) رئيس جمعية (شنغهاي) الصهيونية بالصين، يدعوه فيه إلى المساعدة في توسيع شبكة الجمعيات الصهيونية بالصين ودعمها، في الوقت الذي رفض تقديم أي دعم عسكري ومالي لليهود في الحرب العالمية الثانية وتركهم للمحرقة النازية بكل من معسكرات (بولونيا) ومراكز التعذيب والحرق الألمانية وخاصة مركز (داخاو-البافاري).
وقد كان رد الرئيس (سين ياتسين) على الصهيوني (إيلي عزرا) الذي سلمه الرسالة سنة 1910 أي قبل وصوله إلى الرئاسة بسنة، وكان جوابه سنة 1920 رغم أن هذه الفترة عرفت بحروب أهلية، لكن كل الأطراف المتنازعة الصينية كانت مؤيدة للفكرة الصهيونية، ولوعد الرئيس (سين ياتسين)، والذي قال فيه: “لقد قرأت كتابك ونسخة رسول إسرائيل بإهتمام بالغ، وأود أن أؤكد لكم تعاطفي مع هذه الحركة التي تعد من أعظم الحركات في عصرنا، ولا يسع محبي الديمقراطية إلا أن يؤيدوا بكل إخلاص، ويرحبوا بحماس بهذه الحركة الصهيونية الهادفة إلى استعادة أمتكم العريقة والتاريخية لأرضها، وتستحق من خلالها مكانة مرموقة من بين الأمم”.
فربما الصهيونية الأمريكية الأكثر شهرة والمتمثلة في المسيحيين الإنجيلين، لأنها الأكثر انتشارًا في الإعلام لبعدها الديني وليس الإيديولوجي (الماوي) عند العرب.
وفي سنة 1945 تدخل اليهودي (مردخاي أولمرت) أب الرئيس الإسرائيلي السابق (إيهود أولمرت)، وطلب دعمًا عسكريًا وماليًا من الصين، وتمكن منه لضمان التفوق العسكري الإسرائيلي على العرب، والأبحاث عن هذه المرحلة موجودة في مجموعة من الدراسات والأبحاث المنجزة في الجامعات الألمانية، والتي تؤكد أن هذا الدعم العسكري والمالي قد حصل عليه (مردخاي أولمرت) سنة 1947، مع إرسال نخبة من اليهود الصينيين الذين تم تدريبهم بالصين ودعمهم بالسلاح الصيني لإقامة دولة إسرائيل على أرض الواقع بعد إقامتها على ورق الأمم المتحدة وبدعم مباشر للصهيونية.
IV. الصين وتهويد الصراع القومي العربي الإسرائيلي:
أما اليوم فالصين تقول بأن الحرب تمارس ضد اليهود وليس ضد الصهيونية لمسايرة إسرائيل في رغبتها إلى تحويل هذا الصراع إلى صراع ديني غير متكافئ عسكريًا وتكنولوجيًا.
فالسفير الصيني بإسرائيل له عدة مقالات (بإسرائيل هايوم) منشورة بشكل دوري، كأنه صحفي وليس سفيرًا لدولة الصين بإسرائيل، يطالب فيها بفتح علاقات جديدة مع إسرائيل في عز الحرب على غزة. حيث بلغ حجم الصادرات الصينية إلى إسرائيل 19 مليار دولار لتغذية الخصاص بإسرائيل في ظل الحرب القائمة مع دول الطوق، حيث صرح السفير الصيني بإسرائيل بعد أحداث 7 أكتوبر قائلاً: “لقد هز السابع من أكتوبر العالم، وفي أعقاب هذه المأساة تدين الصين بشدة جميع أعمال العنف ضد المدنيين، وجميع انتهاكات القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك الهجوم العنيف الذي شنته حماس على المدنيين الإسرائيليين في السابع من أكتوبر. في الوقت نفسه الذي يتساءل فيه العالم عن سبب استمرار هذا العنف…؟”.
وقد ربط في مقاله هذا بين ما فعلته حماس والنازيين في الهولوكوست لنزع الشرعية التاريخية عن فلسطين والغطاء السياسي عن حماس والجهاد الإسلامي ومن خلفهما إيران.
فالعلاقات لم تقطع بين البلدين إلا لفترة قصيرة ما بين 1950 و1953، مرحلة شهر العسل بين (صين ماو تسي تونغ) و(روسيا ستالين)، بعدها بدأت اللقاءات السرية في سفارات الدول المجاورة وخاصة (بميانمار)، رافقها توسيع العلاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية في إطار دعمها لدول التحرر، وبلغت ذروتها ما بين 1960 و1970 فقط. لكن بعد مجيء الرئيس الأمريكي (نيكسون) ووزير خارجيته (كيسنجر) الذي وضع استراتيجيته المعروفة بـ(الباب المفتوح) الهادفة إلى عزل الاتحاد السوفياتي آنذاك، ليقوم أول رئيس أمريكي بزيارة الصين سنة 1972، اعترفت من خلاله الصين أمميًا بدولة إسرائيل وبحل الدولتين، وتم حذف فلسطين كحركة تحرر وطني ومعها منظمة التحرير الفلسطينية من أجندة الصين.
والصين عندما طبّعت مع إسرائيل لم يكن هناك اتفاق (كامب ديفيد) ولا اتفاق (وادي عربة) ولا اتفاق (مدريد) ولا اتفاق (أوسلو). فالصين رفضت المقترح العربي لطرد إسرائيل من الأمم المتحدة في بداية السبعينيات، وأصبح معها (ياسر عرفات) مقتنعًا بإيجاد حل مع دولة إسرائيل، في حين أصبحت الصين مقتنعة بالعرض الذي قدمه (هنري كيسنجر) والذي يشمل الدعم العسكري والاقتصادي والتكنولوجي من دولة إسرائيل للصين.
توجت هذه المرحلة بعدة صفقات تسليح سنة 1979، والذي “صادف” صعود الإمام الفقيه إلى عرش إيران في شخص (آية الله الخميني)، تلتها عدة صفقات سلاح سنة 1982 وسنة 1983 وسنة 1985 وسنة 1987، شيء فتح شهية الصينيين لفتح خط سري آمن للتسلح والاستفادة من التكنولوجيا الروسية في مرحلة الاتحاد السوفياتي، غطته بالاستجابة والتأييد لكل اتفاقيات العرب مع إسرائيل من (كامب ديفيد) إلى (أوسلو).
ومن سنة 1989 إلى اليوم قدمت الصين لمجلس الأمن الدولي سبعة مقترحات تخص دولة إسرائيل، بدأتها بالحياد على أساس حدود 1967 مع احترام المخاوف الأمنية لإسرائيل، قبل إعلان التطبيع الرسمي بين الدولتين سنة 1992 تحت شعار (الحياد المنحاز لدولة إسرائيل)، لتصدير الخطاب الرامي إلى حل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، والموجه للاستهلاك اليومي العربي من جهة، وتفعيل المطالب الإسرائيلية عبر تأييد وتفعيل قرارات الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن الدولي، وعلى أقل تقدير عدم استعمال حق الفيتو ضد إسرائيل، وخاصة القرارات ذات البعد الاستراتيجي.
V. الصهيونية عند الصين أساس يهودية دولة إسرائيل:
إذا كانت الصهيونية هي أساس إحداث يهودية دولة إسرائيل، فإن الصين بقيت على موقفها الثابت من الصهيونية منذ سنة 1920، وبقيت على موقفها الثابت من حق إسرائيل في الوجود على أرض فلسطين. بل ودققت حتى في المواضيع الثانوية كالاستيطان وحقوق اللاجئين والسيادة على القدس والمعتقلين والكفاح المسلح والتطبيع، وهو ما صب عمليًا في مصلحة إسرائيل.
فالخطاب الرسمي للصين ظل ثابتًا منذ 35 سنة، انطلاقًا من سنة 1992، حيث قال وزير الخارجية الصيني: “أؤمن بأن الأمة الصينية والأمة اليهودية هما أمتان عظيمتان، قدمتا إسهامًا بارزًا للحضارة الإنسانية، وستكونان قادرتين على تقديم إسهامات جديدة في سبيل السلام والتنمية في العالم.”
ويقول الرئيس الصيني (جيانغ) في رسالة إلى إسرائيل: “أوجه تحياتي الخاصة للشعب الصديق في إسرائيل، وتحية عالية للأمة اليهودية التي أنجبت عباقرة كماركس وأنشتاين.”
وقال الرئيس (شي جين بينغ) في كلمة له: “أثناء الحرب العالمية الثانية وقف الشعب الصيني والشعب اليهودي جنبًا إلى جنب في مواجهة الفاشية، فنحن نمتلك ثقة كبيرة في العلاقات بين إسرائيل والصين.”
فالصين تقول إنها عرفت الله مع اليهود، وفتحت أبوابها لكل معاهد العلوم والتكنولوجيا الإسرائيلية للاستفادة من خبرتها المتطورة، حيث الإحصائيات تقول بأن 70% من الأكاديميين الصينيين يدعمون إسرائيل، في الوقت الذي يرفض الأكاديميون العرب الاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية، لأنهم وجدوا ضالتهم في الأمية المقنعة بشواهد الدكتوراه على الورق، تستمد شرعيتها من المعاهد الأوروبية التي تجاوزها الزمن.
خصوصًا أن أغلبية العرب مقتنعون بأن الصين داعمة للقضايا العربية وفلسطين، وعلى أن الصين جزء من محور المقاومة والممانعة الإيراني، وأن الصين لا تنفي الطابع الاستعماري لدولة إسرائيل ومع حل الدولتين.
والحقيقة تقول إنه في عهد (شي جين بينغ) وحده، عشر (10) شركات صينية تعمل حاليًا في مناطق الاستيطان الإسرائيلي على أراضي 1967 المملوكة للفلسطينيين، منها ثماني (08) شركات تملكها الدولة الصينية في قطاع الطرق ومدها بين المستوطنات وشركات الكهرباء والتجميل وخدمات أخرى. كشركة (نوفا) التي تمارس نشاطها الاقتصادي في المستوطنات بنسبة 70%، وتمتلك الصين 56% من أسهم هذه الشركة، لدعم سياسة “تجويد الاستيطان”. وكذلك شركة (آهافا) للتجميل التي أصبحت ممتلكاتها العينية صينية على أراض فلسطينية، اقتنتها هذه الشركة من مستوطنين يهود وبعقود رسمية.
وهذا يؤكد دعم الصين الواضح لتمدد عملية الاستيطان، وهو الشيء الذي لم تقم به لا بريطانيا ولا أمريكا، الداعم الأساسي لدولة إسرائيل، إضافة إلى شركة (آداما) للمواد الكيميائية والفلاحية، التي اشترتها الدولة الصينية رغم علمها أن المواد الكيميائية المنتجة من طرف الشركة هي لإبادة وتدمير المحاصيل الزراعية في قطاع غزة. كما أن هذه الشركة قدمت مبالغ مالية مهمة لتعويض اليهود القاطنين في غلاف غزة عمّا قامت به حماس والجهاد الإسلامي في حق يهود الغلاف.
كما أن الصين أوقفت المنح الخاصة بالتعليم العالي في حق الفلسطينيين والسوريين كطلاب بالجامعات الصينية. لكن بعد إعلان (بكين) وموقف الأمم المتحدة من الحرب على غزة، أصبحت كل الفصائل الفلسطينية من حماس إلى فتح ومن الجهاد الإسلامي إلى الجبهة الشعبية تهلل بموقف الصين، وبذلك نجحت الصين في سياسة (خلق الانطباع) أو ما يسميها المغاربة (تبياع لعجل) للعرب ولفلسطين وللمتحمسين من “الكوفيين” المطبلين لمحور المقاومة والممانعة، شيء اتضح في موقفها من حرب (12) يوماً بين إيران وإسرائيل وثباتها في دعم إسرائيل ولو سقطت إيران، لأن الصين بكل بساطة دولة صاعدة ولن تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية من أجل إيران أو حتى روسيا. ولن تدخل أي صراع عسكري إلا إذا جُرّت إليه جراً في مسألة (تايوان) لأن هدفها الاستراتيجي هو سيادة العالم في حدود 2050. وهذا يلزمها الحفاظ على قدراتها واستغلال كل السبل لتقويتها وتطويرها في خط متواز مع شيطنة أمريكا كدولة مهيمنة على العالم، عارضة نفسها كبديل من طينة الملائكة.
وفي الأخير، لا نرضى أن نتوقف وننهي هذا التقرير إلا بعد توضيح التالي:
1- العلاقة المغربية الصينية لن تتأثر بالكوفيين:
إن العلاقة المغربية الصينية تحمل زخماً عاطفياً تاريخياً لا يمكن للصين ولا لأي صيني أن يتجاوزه أو يتخطاه، راكمته مع الملوك العلويين وعلى رأسهم المرحوم الحسن الثاني وموقفه التاريخي لإدخال الصين للأمم المتحدة في خطابه التاريخي في الأمم المتحدة والذي أكد فيه أنه لا يمكن تجاهل 600 مليون إنسان وإن كان شيوعياً، وأنه من المعيب سحب العضوية في الأمم المتحدة من 95% من الصينيين القاطنين بالصين وإعطائها لأقل من 5% من الصينيين القاطنين بجزيرة تايوان. فالمغرب اليوم على شراكة استراتيجية مع الصين حيث بلغت المعاملات التجارية 9 مليارات دولار، حيث الصين المورد الأول للمغرب، والشريك الثالث للمغرب بإفريقيا، وهي خطوة جيوسياسية تهم إفريقيا عموماً والمغرب خصوصاً. ستؤدي بزيادة ملحوظة في التجارة البينية بين الدولتين، ويؤطرها التحاق المغرب بخطة الحزام والطريق، شيء عزز توازنات العجز التجاري للمغرب عبر 45 اتفاقية تبادل حر، سهّل للصين فتح أسواق أخرى بإفريقيا وخاصة دول الساحل والصحراء، وخاصة الاستثمارات الصينية في قطاع البطاريات بالمغرب، وتوظيف موقع المغرب الجيوستراتيجي لإنتاج السيارات لتجاوز أي صعوبات دولية ضد الصين، والاستفادة من العلاقات المتنوعة لدولة المغرب التي تستفيد من المواقع الصينية لإشهار التجارة المغربية كمنصة (علي بابا) عبر التسويق الرقمي بما فيها منتجات المزارعين الصغار المغاربة بالوصول المباشر إلى القاعدة الصينية الضخمة بالاستفادة بـ 11% من السوق الإلكتروني الصيني، وإلغاء الرسوم الجمركية على صادرات المغرب، وتركيز الصناعة الصينية بدل بيع المواد الأولية بالمغرب. وهذا يؤكد أن لا علاقة بين سياسة الصين البراغماتية النفعية بتجارة فعلية وبين سياسة “الكوفيين” تجار الكلام والأوهام الجزائرية.
2- الكوفيين والغباء الاستراتيجي والعمى السياسي المقنّع:
في بداية شهر غشت 2025 نشرت صفحة (رصد) التونسية التابعة للإخوان المسلمين دعوة لمحاصرة السفارات المصرية حول العالم وأولها سفارة مصر بتونس، في الوقت الذي خرج علينا أحد المغاربة الأغبياء في استجواب مع قناة (البلاغ) التونسية، متسلحاً بالغضب قبل الحجة وبالثقة قبل الوثيقة، والغلو في العتاب، متجاهلاً قول أفلاطون، ورابطاً بين شرف النساء المغربيات ودعم الوحدة الترابية للمغرب من طرف إسرائيل وأمريكا، ممرراً مغالطات خطيرة تؤكد أن الرجل لا يفهم البتة في العلاقات الدولية وتهمه مصالح حزبية ضيقة وإن كانت على حساب المصالح العليا للدولة وللشعب، مع الحركات البهلوانية التونسية السالفة الذكر. والتي دعا إليها كل من (رائد صلاح) رئيس الحركة الإسلامية بإسرائيل ونائبه (كمال الخطيب) الذي ألقى كلمة في هذه المظاهرة وهذه الوقفة الاحتجاجية أمام السفارة المصرية بتل أبيب باعتبارهما عضوي التنظيم الدولي للإخوان، للتنديد “بالتجويع والحصار” الذي تمارسه مصر على غزة “بإغلاق معبر رفح”، رغم أنهم يعلمون جيداً وهم يعيشون في إسرائيل أن المعبر مغلق من طرف إسرائيل.
حيث أكد كمال الخطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية في تل أبيب بإسرائيل في خطابه مهاجماً الرئيس المصري بقوله: (قال السيسي إذا كنتم تريدون تهجير أهل غزة فليس إلى سيناء… ألم يكفكم مجزرة رابعة بمصر؟)، ومؤكداً على استحالة الوحدة الفلسطينية لتخفيف الضغط على (نتنياهو) وعلى إسرائيل، لأنه في آخر المطاف ينتمي إلى حركة وتنظيم وظيفي (للبيع والكراء)، ضارباً حل الدولتين في مقتل في مقابل دولة واحدة اسمها إسرائيل، وذلك بتغطية من جريدة (هآرتس) الإسرائيلية، وفي حماية الشرطة الإسرائيلية، وبمشاركة من يهود بتل أبيب دعماً لهذا الطرح وتضامناً مع حركة الإخوان، رافعين العلم الإسرائيلي ولا أحد منهم تجرأ على رفع العلم الفلسطيني دعماً لقضيته.
وهذا هو قمة العبث خصوصاً بعد رفض حماس لإطلاق ما تبقى من الأسرى المحتجزين الإسرائيليين ومعهم كل الشعب الغزاوي، رغم الجوع والحصار والقتل الذي يعانيه يومياً بسبب تعنتهم وعدم رغبتهم الاعتراف بهزيمتهم وخسارتهم ونهاية شيء اسمه حماس، وإلغاء السلاح للذوبان في الشعب الفلسطيني، والمرور إلى حل الدولتين. وذلك بدعم من الآلة الإعلامية العالمية لتنظيم الإخوان المسلمين وعلى رأسها قناة الجزيرة، ولضرب اقتراح تدريب قوة أمنية لمسك الأمن في القطاع بعد نهاية الحرب، وتشكيل إدارة تقنوقراط لمدة ستة أشهر، بعدها يأتي إعادة الإعمار في قطاع غزة. بل هدفهم البقاء في السلطة لأنهم يدركون جيداً أن نهاية حماس هي نهاية للتنظيم العالمي الإخواني، ولأنهم يدركون أن الدفع في خطوة نحو السلام وحل الدولتين سيكون على أنقاضهم، ففضلوا ألا يتركوا السلاح طوعاً بل كرهاً وعلى جثث كل الغزاويين. ولأن ما تبقى من التنظيم العالمي للإخوان يعارضون أي خطوة نحو السلام ستكون مصر طرفاً فيها، وكذلك المغرب كرئيس للجنة القدس الذي يمثل فيه مغاربة القدس 4% من مجموع ساكنة القدس (حارة المغاربة)، ودولة الأردن كمشرفة على الأماكن المقدسة وفق اتفاق وادي عربة، وسيقوض نفوذ الأيادي العابثة بهذا الملف من منتجعات كامب ديفيد وتل أبيب ومن فنادق الدوحة وشواطئ مرمرة وإسطنبول، ولا حتى في سراديب طهران بعد سقوط سوريا وجنوب لبنان، ومن أنفاق حماس بغزة المحصنة بمليوني إنسان قبل الوصول إلى ما تبقى من كوادرها تحت شعار (الوصول إلينا لن يكون إلا على جثة أهل غزة البسطاء).
3- من يحكم إسرائيل: التلموديون أم العلمانيون؟
أكيد أن إسرائيل التوراتية تريد تحويل النبوءات إلى استراتيجيات باعتبارها من الكتاب المقدس أساس وجودهم بالأراضي المقدسة، وعلى رأسهم (روزنبيرك) باعتباره من يمسك بأذن (نتنياهو) كمستشار له في النبوءات التوراتية، ونبوءة (هرمجدون) التي طبل لها (الرئيس ريغن) وأحياها سنة 1891 (ويليام بلاكستون) حتى (بن غوريون هارمتون)، مستدعين في ذلك أسفار الأنبياء وعلى رأسهم النبي حزقيال في سفره الإصحاح 37 الذي يبشر بعودة إسرائيل، وكذلك الإصحاح 25 و38 وتحديدًا الآية 12 إلى 14 التي تقول: (قال السيد الرب: ها أنذا أفتح قبوركم، وأصعدكم من قبوركم يا شعبي وآتي بكم إلى أرض إسرائيل… وتعلمون أني أنا الرب عند فتح قبوركم… وأجعل روحي فيكم، فتحيون. وأجعلكم في أرضكم. وتعلمون أنني أنا الرب تكلمت وأفعل).
وكذلك نبوءة إسحاق في سفر التكوين الإصحاح 26، وسفر إشعيا الإصحاح 12 والإصحاح 60 الآية 11، وسفر إرميا الإصحاح 49 الذي يتكلم عن إيران والمعروفة في الكتاب المقدس باسم (عيلام) حيث يقول الرب الإله: (هكذا قال رب الجنود: ها أنذا أحطم قوس عيلام، وأجلب على عيلام أربعة رياح وأذريهم… وأجعل العيلاميين يرتعبون أمام أعدائهم… وأجلب عليهم شرًا وعموم غضبي) كما تقول الآية 11 من هذا السفر: (ويرفع راية الأمم… ويجمع منفي إسرائيل ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض ليقيموا دولة اليهود)، وسفر العدد الذي يقول في الإصحاح 19: (كلم بني إسرائيل أن يأخذوا إليك بقرة حمراء صحيحة لا عيب فيها… ولم يعل عليها نير).
ويقول النبي حزقيال في سفره الإصحاح 29: (ها أنذا عليك يا فرعون ملك مصر، التمساح العظيم النابض في وسط أنهاره. سأجعل أرض مصر خرابًا… لا يسكن فيها إنسان… ولا يمر منها قدم أربعين سنة).
وكذلك سفر حزقيال الإصحاح 38-39: (هكذا قال السيد الرب: ها أنذا عليك يا جوج رئيس روش (روسيا) وماشك (موسكو) وتوبال من أرض ماجوج (تبيليسي في تركيا)).
وكذا سفر النبي حزقيال من الإصحاح 40 إلى الإصحاح 48 الذي يصف بدقة الهيكل الثالث وظهور المسيا (المشيح) ومرحلة التطهير المقدس، وعن حتمية إعادة الهيكل الثالث في المشروع الصهيوني التلمودي الحديث، تنفيذًا لنبوءات النبي حزقيال، كمرجعية استراتيجية لصعود شعب الله المختار إلى الأرض الموعودة.
فكل الحروب التي تخوضها حاليًا إسرائيل التلمودية، وكل إعداد لإرساء الهيكل، وكل صفقة مع موسكو وواشنطن وبكين، ليست سوى خطوات مرسومة في سفر وجد منذ 2500 سنة، هو سفر النبي حزقيال، وتنفذه سطرًا بسطر وكلمة بكلمة بل وحرفًا بحرف، كواجب ديني لدولة إسرائيل التلمودية، مع علمهم أن جمعهم من الشتات وبناء الهيكل الثالث لن يكون إلا مع مجيء المسيح.
دون إدراكهم بأن بيت المقدس هو بيت الرب الذي يؤمن به اليهود كما المسيحيون والمسلمون، وأن هذا البيت هو الضامن للسلام مع المسلمين والمسيحيين حتى مجيء المسيح الذي تؤمن بعودته أو مجيئه الأديان التوحيدية الثلاثة، فله القول وله الفصل. وسيكون حج اليهود إلى حائط المبكى، وحج المسيحيين إلى كنيسة القيامة، وحج المسلمين إلى بيت المقدس والمسجد الأقصى بما يعادل 3 مليارات ونصف مسيحي ومسلم.
وهذا ما سيبكي الشيطان ويدمي قلبه، وسيشكل أكبر مدخول مالي في تاريخ البشرية لإسرائيل وفلسطين بعد بيت الله الحرام بمكة، والربط بين صهيون القديمة بفلسطين وصهيون الجديدة بمكة، كمكان جديد آمن لعبادة الله عز وجل، كما جاء في أسفار التوراة.
فهل يستطيع ترامب تفكيك هذه المعادلات القرآنية والإنجيلية والتوراتية بنهج سياسة الردع والدبلوماسية التي نجح فيها النبي الملك سليمان؟ ومن أمام خيمة بالصحراء الشرقية وتحت شمس تشرف على كل حبة رمل منها، حيث لا شجر ولا ظل يسبح ويسجد لربه وخالقه، بل حبات رمل كالجبال تشكل سبحة لا متناهية لمن أراد أن يسبح لله ويستغفره عن أفعال اندفاعية غير محسوبة العواقب تسببت في هدم غزة عن بكرة أبيها، وموت أزيد من 5000 إسرائيلي و60 ألف فلسطيني، وتشريد وتجويع أكثر من مليوني إنسان غزاوي.
ومسك الختام أحسن الكلام من رب الأنام من سورة النحل الآية 124 بعد بسم الله الرحمن الرحيم: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين… إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) صدق الله العظيم.
4- رسائل بليغة إلى من يهمهم الأمر
إذا كان علم الإشاعة هو دراسة الشائعات وكيفية انتشارها وتأثيرها على الأفراد والمجتمعات، بدراسة أسباب انتشار الشائعات وأهداف ناشريها وأنواعها المختلفة وطرق مواجهتها، فإن الانفصاليين والخونة الذين يستغلون النقص في المعلومات المتاحة حول حدث معين، يقومون بزعزعة الثقة في المؤسسات باختلاق أحداث ووقائع كاذبة، عبر نوعين من الشائعات وهما: شائعات التشويه، وشائعات التضليل، لتوجيه الرأي العام نحو هدف معين عبروا عنه بـ(إسقاط المخزن) أو (إسقاط النظام).
ويواجه ذلك بتثبيت المعلومات، والتفكير النقدي، والوعي الإعلامي، والدعم النفسي والاجتماعي للجهة المستهدفة. ويكتسي هذا العلم أهميته الكلاسيكية في فهم سلوك الأفراد والجماعات وتحليل الأحداث من خلال فهم تأثير الشائعات، وهذا يساعد على اتخاذ القرارات السليمة لحماية المجتمع من هؤلاء الانفصاليين والخونة، الذين يستخدمون الشائعات الكاذبة لأغراض خبيثة، ويتناقلها الناس بنية حسنة دون التحقق من صحتها، لأن ذلك ليس من اختصاصهم.
وغالباً تُوجه هذه الشائعات للاستهلاك الداخلي، أما الإشاعات فغالباً ما تُستعمل للاستهلاك الخارجي لكسب التعاطف الدولي، وخاصة الإعلامي والحقوقي، الذي يستهلك هذه المعلومات بعين فاحصة ولكن بنية سيئة، تجاري مصالح بلدانهم الاستراتيجية.
وكان هذا معمولاً به في عهد المرحوم الحسن الثاني، حيث واجهه الملك المرحوم بصرامة الفعل والخروج الإعلامي المكثف، وخاصة مع الإعلام الفرنسي الموجه من الاستخبارات الفرنسية في غالبيته، والتي كانت تضع اليد على المعارضة المغربية آنذاك.
أما الملك محمد السادس فأسلوبه مغاير وعميق جداً، مفاده: “اعمل في صمت واضرب بالحكمة والموعظة الحسنة”، لأن الملك يعلم أن المنطق هو أداة العلم التي توفر الأساس الذي يقوم عليه التفكير العلمي والفلسفي الصحيح، ويعلم أن المنطق وحده كفيل بالوصول إلى نتائج علمية صحيحة، ويعرف فن التفكير السليم.
وبسياسة استباقية تدرك أن الحجة ليست فوضى صوتية بل هدوء منتصر، وأن الذكاء الجدلي ليس في الكم بل النوع، والقدرة على الفصل بين الرأي والشخص. لا بأسلوب القمع لإسكات الغير، لأن الشرعية لا تأتي من القوة بل من الإقناع، لأنه في غياب المنطق الصحيح يعم الغباء الاستراتيجي والعمى السياسي المقنع والوهمي، بأن الغلبة لمن يستطيع أن يرفع صوته أكثر، والحقيقة أن الغلبة لمن يفكر أهدأ وأصوب.
ولهذا السبب بالضبط، تغيب عن هؤلاء الخونة والانفصاليين والانقلابيين سيكولوجية النصر، في دولة الملك محمد السادس، التي تنتهج استراتيجية الغموض الواعي، والهدوء المنتصر، والهيبة الناعمة، والانسحاب المدروس، والتغيير الصامت، بالفهم الصحيح لفلسفة الطاعة والتمرد والغموض، ضد الفلسفة المظلمة التي ينهجها هؤلاء الخونة برداء الدين والفضيلة الغارقة في أحداث الماضي المسيج بالقومجية المفرطة وغير الواعية.
أما حماس التي تتحجج بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في معركة بدر حيث قال داعياً ربه: “اللهم إن تهلك هذه العصبة فلن تُعبد في الأرض أبداً”، فتريد من هذا القول النبوي التأكيد على أنه إذا هلكت أمة الإخوان المسلمين، فلن يُعبد الله في الأرض أبداً، وكأن الإسلام محدود في هذه الجماعة المارقة، لأن حماس تؤمن أن غير المنتمين لها إما كفار أو ضالون على أقل تقدير، أو جهلة بتعبير سيد قطب.
فحماس تُلحد اليسار الفلسطيني، وتكفّر حركة فتح، وتشيّع الجهاد الإسلامي، فمن لا ينتمي لحماس فهو ليس من أمة الإخوان المسلمين وبالتالي ليس من أمة الإسلام.
لقد فشلت حماس في الحكم، وفشلت في المقاومة، وفشلت في قيادة وتدبير القضية الفلسطينية، وفشلت في الحرب كما فشلت في السلم، وقامرت بأرواح الغزاويين، وأعادت الحياة لإسرائيل، خصوصاً بعد الأزمة الحادة بين العلمانيين والتلموديين في إسرائيل، حيث كانت إسرائيل تعتقد أن نهايتها ستأتي من الداخل كما عبر عن ذلك سياسيون إسرائيليون ومنهم رؤساء سابقون بلغة تلمودية محددة في 80 سنة، ليأتي الفرج من غباء حماس في 7 أكتوبر لتوحيد إسرائيل من جديد.
ليبقى المشروع السعودي الفرنسي بالأمم المتحدة هو من سيعيد القطار إلى سكته ويقوي خيارات السلام، لأن حماس التي لم تستطع تحرير رقعة صغيرة هي وحلفاؤها، ألا وهي غزة، فكيف يمكنها تحقيق دولة الخلافة مع موسى أبو مرزوق الذي لا يهمه الأمر وإن أبيدت مليونا غزاوي فلسطيني، وأسامة حمدان الذي لا يحتسب من الشعب الفلسطيني إلا مقاومة حماس وقادتها، وإن بقيت غزة والضفة الغربية من دون مواطن فلسطيني واحد، ولو تركوا قطاع غزة تنعق فيه الغربان وتدور فيه الطيور الجارحة فوق جثث الفلسطينيين البسطاء.
متجاهلين أو جاهلين بأن الاتفاقات والضمانات التي لا تحرسها القوة، لا تساوي الحبر الذي كُتبت به… كما لم يستطيعوا اتباع استراتيجية الملك محمد السادس التي تقول بقول الله سبحانه في سورة فصلت، الآية 34: {وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.
مع العلم أن المغرب قد اقترب من امتلاك 32 طائرة من طراز (F-35) وتصل قيمتها إلى 17 مليار دولار، وفق سياسة الردع الدبلوماسي ومبدأ “اعقلها وتوكل على الله”، هكذا لن تصبح الأوراق أكفاناً ولا الحبر دماً، كما قال الشاعر أحمد مطر: “وغاية الخشونة أن تندبوا… قم يا صلاح الدين قم… حتى اشتكى مرقده من حوله العفونة… كم مرة في العام توقدونه… كم مرة على جدار الجبن تجلدونه… أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة؟… دعوا صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه… لأنه لو قام حقاً بينكم… فسوف تقتلونه!”.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد