هبة زووم – الرباط
في لحظة تعرف فيها الإدارة المغربية مخاضاً إصلاحياً عسيراً، اختار وزير النقل واللوجيستيك عبد الصمد قيوح أن يفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً داخل القطاع: ملفات التجديد السباعي لرخص النقل العمومي والسياحي، وإعادة استغلالها وتحويل ملكيتها، وهي ملفات تراكم عليها الغبار منذ أكثر من عقد من الزمن، وتسببت في جمود إداري واختناق مهني امتد أثره إلى مختلف مستويات المنظومة.
منذ توليه الحقيبة، أبان الوزير عن إرادة سياسية واضحة في القطع مع ثقافة الانتظار والتسويف التي طالما رافقت هذا القطاع الحيوي. فوجه تعليماته المباشرة إلى مصالح الوزارة ومديرية النقل من أجل تسوية الملفات العالقة جميعها، بدون استثناء، وفق مقاربة تقوم على تبسيط المساطر وتسريع وتيرة البت وتحقيق العدالة بين المهنيين. خطوةٌ جريئةٌ نُظر إليها، في بدايتها، كتحول نوعي في طريقة تدبير القطاع وكرسالة ثقة في الإدارة والموارد البشرية.
غير أن مشهد الإصلاح لم يكتمل بصفاء الصورة التي رُسمت له في البداية. فقد فجّر تسريب معطيات حول نية الوزارة التعاقد مع مكاتب محاماة لتدبير وتتبع الملفات نقاشاً مهنياً واسعاً، بين من رأى في الخطوة تطوراً تقنياً مشروعاً لتسريع وتيرة العمل، وبين من اعتبرها تراجعاً ضمنياً عن مبدأ تمكين الإدارة وإفراغاً لمجهود الأطر من محتواه المؤسسي.
إدارة أثبتت كفاءتها… وصفقة تثير الريبة
تؤكد مصادر مهنية أن مديرية النقل بأطرها وموظفيها تمكنت خلال الأشهر الماضية من معالجة آلاف الملفات المتراكمة بكفاءة عالية وبمجهودات استثنائية، تجاوزت في كثير من الأحيان الإكراهات الزمنية والإدارية.
هذه الدينامية التي خلقت شعوراً بالاعتزاز داخل الوزارة، بدت مهددة بعد الحديث عن تفويض المهام إلى محامين خارجيين، دون مبرر واضح أو حاجة قانونية موضوعية.
فمن الناحية العملية، لا يتعلق الأمر بنزاعات قضائية تستوجب تأويلاً قانونياً معقداً، بل بملفات إدارية صرف تم إعدادها وتنظيمها وفق مذكرات صادرة عن المديرية ذاتها.
الأمر الذي جعل عدداً من المتتبعين يتساءلون: ما الداعي إلى إشراك مكاتب خارجية في مسار أثبتت الإدارة كفاءتها في إنجازه؟ ولماذا لا يتم تخصيص الاعتمادات المالية المرصودة لهذه الصفقة لتحفيز الكفاءات الداخلية التي تحملت عبء الإصلاح؟
بين الشفافية والالتباس
الجدل لا يتصل فقط بجوهر القرار، بل أيضاً بطريقة تدبيره وتوقيته. فإبرام صفقة في ظل أزمة مالية خانقة داخل القطاع قد يبعث، كما يرى كثيرون، رسالة سلبية للموظفين الذين اشتغلوا بتفانٍ خلال الأشهر الماضية.
كما أن غياب بلاغ رسمي يوضح خلفيات التوجه الجديد يعمّق الالتباس ويغذي الشكوك حول دوافع القرار، في وقت تتطلب فيه اللحظة أعلى درجات الشفافية.
في المقابل، يدافع بعض المقربين من دوائر القرار عن الخطوة، معتبرين أن الوزير يسعى إلى معالجة قانونية دقيقة لبعض الملفات المعقدة التي تتداخل فيها الملكية الخاصة والاستغلال المهني، وأن التعاقد مع محامين متخصصين قد يهدف إلى ضمان سلامة قانونية كاملة قبل اتخاذ القرارات النهائية.
غير أن هذا التبرير، وإن كان منطقياً على مستوى النية، يبقى ناقصاً دون توضيح رسمي يبدد الغموض ويطمئن الفاعلين المهنيين.
الإصلاح ليس قراراً فقط… بل فلسفة تدبير
تُجمع أغلب الأصوات المهنية على أن الأولوية اليوم ليست في عقد الصفقات، بل في استدامة الثقة التي نشأت بين الإدارة والمهنيين بفضل المجهود الميداني للأطر، واستثمار هذا الزخم في ترسيخ ثقافة إدارية جديدة قوامها التحفيز والمساءلة والمردودية.
فالإصلاح الحقيقي لا يُختزل في القرارات الجريئة، بل في القدرة على تحويلها إلى ممارسة مؤسساتية مستدامة. وما لم تُواكب الشجاعة السياسية بالشفافية الإدارية والاعتراف بالمجهود الداخلي، سيظل خطر الانتكاس قائماً، وسيعود القطاع إلى دوامة التردد التي كلفته سنوات من الجمود.
اليوم، تُختبر وزارة النقل على مستويين متوازيين: الأول، هو مدى التزامها بمبدأ الكفاءة الداخلية كرافعة للإصلاح، والثاني مدى وضوحها وشفافيتها في تبرير الخيارات المالية والإدارية.
فكما كانت الجرأة عنوان الانطلاقة، يجب أن تكون الشفافية عنوان الاستمرارية، لأن الإصلاح ليس سباقاً نحو القرارات الجريئة فحسب، بل رحلة طويلة نحو بناء الثقة في الدولة ومؤسساتها.
تعليقات الزوار