هبة زووم – الرباط
تعيش العاصمة الرباط، التي يُفترض أنها واجهة المغرب الإدارية والسياسية، مفارقة صارخة بين المظهر الرسمي المنظم والفوضى التي تغزو شوارعها وأرصفتها.
فبينما تُنفق الملايير على مشاريع التهيئة والتجميل، يواصل الباعة الجائلون احتلال الملك العمومي في مختلف الأحياء، في مشهد يعكس فشل المقاربة الرسمية في فرض النظام أو إيجاد حلول واقعية تحفظ كرامة الجميع.
الوالي محمد اليعقوبي، الذي رُاهن عليه كثيراً لإعادة الانضباط إلى العاصمة، يبدو اليوم عاجزاً عن مواجهة هذا الواقع المتنامي، إذ تحولت شوارع الرباط إلى فضاءات مفتوحة للتجارة غير النظامية، حيث تُنصب العربات وتُعرض البضائع دون رادع، بينما تكتفي السلطات بالمراقبة الصامتة.
الرباط، مثلها مثل باقي مدن المملكة، تعيش حالة ازدواجية بنيوية: خط رسمي مضبوط بالقوانين والمؤسسات والضرائب، وخط موازٍ غير رسمي يقوم على العلاقات الشخصية و”البركة” و”التفاهمات الميدانية”، هذه الازدواجية ليست مجرد تفصيل ثانوي، بل هي تعبير عن اختلال هيكلي في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
المواطن الرباطي يعيش في عالمين متداخلين: في الصباح، قد يرتدي بذلته الرسمية ويعمل في إدارة عمومية تُحكمها القوانين، وفي المساء يتسوق من بائع متجول غير مرخص، أو يقتني حاجاته بالدين من “مول الحانوت”.
هذا التناقض، وإن بدا بسيطاً، يعكس حقيقة عميقة: أن الدولة القانونية في المغرب لم تنجح بعد في أن تكون الإطار الوحيد المنظم للحياة اليومية.
الأدهى من ذلك، أن الدولة نفسها تدرك وجود هذه الازدواجية وتُغذيها ضمنيًا، لأنها تشكل ما يشبه “صمام الأمان الاجتماعي”، فحين تعجز السياسات العمومية عن إدماج آلاف الباعة المتجولين والعمال غير المهيكلين في الدورة الاقتصادية الرسمية، تُفضل السلطات التساهل معهم، تجنباً لانفجار اجتماعي محتمل.
لكن هذا التساهل تحول مع الوقت إلى نظام موازٍ قائم بذاته، يكرس ثقافة الفوضى ويُضعف الثقة في المؤسسات، ويجعل القانون في نظر المواطن مجرد ترف إداري لا يُطبق إلا على الضعفاء.
الاقتصاد غير الرسمي اليوم أصبح أكبر من مجرد ظاهرة اجتماعية؛ إنه شبكة ضخمة تعيش عليها ملايين الأسر المغربية، دون تأمين اجتماعي أو ضرائب أو حماية قانونية. إنه اقتصاد “الضرورة” الذي يعكس فشل الدولة في ضمان الكرامة عبر القانون.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل يملك الوالي اليعقوبي الشجاعة السياسية لإعادة النظام إلى عاصمة المملكة دون المساس بحقوق البسطاء؟ أم أن الرباط ستظل، كما هي اليوم، مدينة التناقضات بامتياز، حيث تتقاطع صورتها الرسمية البراقة مع واقعها الشعبي الصاخب؟
تعليقات الزوار