لغة الصحراء تحت المجهر: خبراء وباحثون يجتمعون بالرشيدية لتفكيك اللسانيات الحسانية وامتداداتها نحو إفريقيا
هبة زووم – الرشيدية
في خطوة أكاديمية تعكس الوعي المتنامي بأهمية الثقافة الحسانية في المشهد الوطني، احتضن كل من المركب الثقافي تاركة الجديدة والكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية يومي 28 – 29 نونبر 2025 ندوة دولية كبرى حول التعبيرات اللغوية في الصحراء المغربية، بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من داخل المغرب وخارجه.
الندوة التي شكلت فضاءً علمياً خصباً، رفعت منسوب النقاش حول الحسانية باعتبارها أحد أعمدة الهوية المغربية-الإفريقية، وفتحت الباب أمام قراءات جديدة في تاريخ المنطقة، وموروثها الشفهي، وثراء تفاعلها اللغوي.
اللغة الحسانية.. لسان الصحراء وعمق الهوية
تميّزت الجلسات العلمية بغنى مداخلاتها التي قاربت اللسان الحساني من زوايا متعددة: اللسانيات، السيميائيات، المعاجم، الشعر، الأمثال، والتفاعل التاريخي بين العربية والأمازيغية وامتدادات الصحراء نحو العمق الإفريقي.
وقد أجمع المتدخلون على أن الحسانية ليست مجرد لهجة، بل هي نظام لغوي متكامل يحمل ذاكرة جماعية وإرثاً حضارياً عميقاً، ويجسد امتداد المغرب في فضاءاته الصحراوية والطوارقية.
من “التبراع” إلى الأمثال.. قراءة في ملامح الذاكرة الشفهية
من بين المحاور التي استقطبت اهتمام المشاركين، ذلك المتعلق بإبداع المرأة الحسانية، خصوصاً “التبراع”، بوصفه شكلاً فنياً راقياً يخلط بين الإيقاع والحمولة الرمزية والجماليات الشفهية.
كما تناول باحثون آخرون ثراء الأمثال الشعبية ودورها في بناء الهوية الجماعية، إضافة إلى البعد الصوتي والإيقاعي للسان الحساني الذي يجمع بين البساطة والعمق.
الحسانية بين الفصحى والأمازيغية.. مسارات امتزاج لغوي فريد
استعرض المتدخلون ديناميات التفاعل التاريخي بين الحسانية والعربية الفصحى من جهة، وبينها وبين الأمازيغية من جهة أخرى، مؤكدين أن هذا الامتزاج صنع لغة مرنة، قادرة على استيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشتها الصحراء المغربية عبر القرون.
كما أبرزت العروض العلمية مدى تأثير المجال الجغرافي الرحب على تشكيل بنية اللغة وتنوع مفرداتها.
البعد السياسي والثقافي.. حين يخدم البحث العلمي قضية الوحدة الترابية
لم تغب الإشارة إلى البعد الوطني عن الندوة، إذ أكد المشاركون أن الاهتمام بالحسانية هو في جوهره اهتمام بالهوية المغربية الموحدة في تعددها، وأن الدراسات اللسانية والثقافية تسهم بدورها في تعزيز المشروعية التاريخية للحضور المغربي في أقاليمه الجنوبية، وقد شكل هذا المعطى إحدى أهم الرسائل الرمزية للقاء.
واختُتمت الندوة بجملة من التوصيات، أبرزها ضرورة دعم البحث الأكاديمي في مجال اللغات الصحراوية، توثيق التراث الشفهي، رقمنة المعاجم الحسانية، وتشجيع الدراسات المقارنة بين اللسان الحساني وباقي التعبيرات اللغوية المغربية.
كما دعا المشاركون إلى إشراك الجامعات والباحثين في صياغة السياسات الثقافية الموجهة لهذه المنطقة، بما يعزز مكانة الحسانية كرافعة للهوية والوحدة والانفتاح المغربي على إفريقيا.
