بين انهيار البنايات وانهيار المحاسبة.. فاجعة فاس تربك كاتب الدولة في الإسكان وتضعه أمام مرآة المحاسبة

هبة زووم – محمد خطاري
لم تكن فاجعة انهيار بنايتين سكنيتين بمدينة فاس، والتي أودت بحياة أزيد من 20 مواطناً، مجرد حادث عرضي عابر، بل تحولت إلى لحظة مساءلة سياسية وأخلاقية داخل قبة مجلس المستشارين، بعدما وُضعت الحكومة وجهاً لوجه أمام أعطاب سياسة إسكانية توصف منذ سنوات بالعاجزة عن حماية الأرواح.
فخلال جلسة يوم أمس الثلاثاء، وجد أديب بن إبراهيم، كاتب الدولة المكلف بالإسكان، نفسه في موقف محرج، عقب مداخلة قوية للبرلماني خليهن الكرش، عضو مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الذي استعمل آلية “الموضوع العام والطارئ” وفق المادة 168 من النظام الداخلي للمجلس، ليحوّل النقاش من طقوس التعزية إلى جوهر المسؤولية السياسية.
الكرش استهل مداخلته بالتأكيد على أن قراءة الفاتحة على أرواح ضحايا الفيضانات والانهيارات أمر محمود، لكنه سرعان ما انتقل إلى نبرة تحذيرية قائلاً: “أخشى أن يأتي يوم نقرأ فيه الفاتحة على أرواحنا جميعاً، لأن هذه الفواجع تتكرر ويتم التعامل معها بآنية، ثم تُنسى كما لو لم تكن”.
تصريح لم يكن مجرد انفعال عاطفي، بل تشخيص قاتم لمسار تدبير الكوارث بالمغرب، حيث تتحول المآسي إلى أرقام، وتُطوى الملفات دون محاسبة، في مشهد يتكرر من مدينة إلى أخرى.
واعتبر البرلماني أن ما وقع في فاس ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة انهيارات عمرانية تُسائل غياب سياسة سكنية ناجعة، مؤكداً أن “بناية فاس ليست الأولى ولن تكون الأخيرة”، ما دامت الأسباب البنيوية قائمة دون معالجة حقيقية.
وأعاد الكرش جذور الكارثة إلى سنة 2007، حين جرى توزيع بقع أرضية في إطار برامج إعادة إيواء قاطني دور الصفيح، دون مواكبة تقنية صارمة، ليفتح الباب أمام مقاولين غير مؤهلين وبناء عشوائي في غياب المراقبة، أو بتواطؤ صامت من الجهات المفترض فيها الحرص على السلامة العامة.
وفي انتقاد مباشر للسلطات، تساءل البرلماني عن منطق انتقائي في تطبيق القانون، قائلاً: “كيف يُغض الطرف عن أشخاص يشيدون طوابق مخالفة للقانون، بينما يُشهر القانون في وجه آخرين بمجرد شروعهم في البناء؟”.
سؤال يعيد إلى الواجهة إشكالية ازدواجية المعايير، حيث يتحول القانون من أداة حماية إلى وسيلة ضغط، ومن مرجع للسلامة إلى ورقة انتقائية تُستخدم حسب المواقع والنفوذ.
ولم يتوقف الكرش عند تشخيص الأسباب، بل وجه سهام النقد مباشرة إلى وزارة الإسكان، معتبراً أن الصمت الذي أعقب فاجعة فاس يُعد في حد ذاته تقاعساً سياسياً، مضيفاً: “لم تأتوا لتتكلموا في البرلمان، لم تخاطبوا الشعب المغربي، لم تقدموا حقيقة ما وقع، ولم تحملوا أي جهة المسؤولية”.
كلمات ثقيلة وضعت كاتب الدولة في موقع الدفاع، وعكست حالة الارتباك الحكومي أمام مأساة إنسانية كان يُفترض أن تُقابل بالوضوح والمحاسبة بدل الصمت والتجاهل.
ما كشفته مداخلة البرلماني، ليس فقط حجم الخلل في مراقبة البناء، بل أيضاً فشل تصور شامل للسياسة السكنية، التي ما زالت، بحسب منتقديها، تُعالج أزمة السكن من زاوية رقمية (عدد الوحدات والبقع)، دون اعتبار لعنصر السلامة، أو أثر الزمن، أو هشاشة الفئات المستهدفة.
ففي غياب مراقبة صارمة، وتأطير تقني، وربط واضح للمسؤولية بالمحاسبة، تتحول برامج السكن الاجتماعي من حلول مفترضة إلى قنابل موقوتة، لا تنفجر إلا فوق رؤوس الفقراء.
فاجعة فاس اليوم لم تُسقط جدران بنايتين فقط، بل أسقطت معها خطاب الاطمئنان الرسمي، وكشفت هشاشة منظومة يُفترض أن تحمي الحق في السكن الآمن. ومع كل فاجعة جديدة، يتأكد أن الأزمة ليست في المطر ولا في الزمن، بل في القرار السياسي الغائب.
ويبقى السؤال معلقاً: هل تتحول هذه المأساة إلى نقطة انعطاف حقيقية في سياسة الإسكان، أم تُضاف إلى أرشيف الفواجع المنسية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد