هبة زووم – الدار البيضاء
يعيش مستشفى بوافي بالدار البيضاء وضعًا يُثير القلق ويكشف، دون مواربة، عمق الاختلالات التي تنخر جزءًا من المنظومة الصحية العمومية.
فالمؤسسة التي يُفترض أن تكون فضاءً للعلاج وصيانة الكرامة الإنسانية، تحولت، في نظر المرضى وذويهم، إلى عنوان للفوضى، والإهمال، والغياب شبه التام للمساءلة.
مشاهد الإهمال لا تحتاج إلى تقارير تقنية أو لجان تفتيش معقدة، بل يكفي عبور ممرات المستشفى لاكتشاف حجم الكارثة: أسرة مكسورة، أغطية متسخة، جدران متآكلة، نوافذ بزجاج منكسر، وتغذية لا ترقى إلى الحد الأدنى من المعايير الصحية.
أما الأمن، فغائب أو مغيَّب، في مشهد يسمح لقطط وصراصير بأن تتقاسم الفضاء مع المرضى والمهنيين، بل ومع المرافق الصحية نفسها.
الأخطر من المظهر هو ما يجري في العمق، حالات مستعجلة، بعضها شديد الخطورة، تُترك لساعات طويلة في قاعات الانتظار، في انتهاك صريح لكل القواعد الطبية والإنسانية.
هنا، لا يتعلق الأمر فقط بضعف التجهيزات، بل بمنطق تدبير يُفرغ الحق في العلاج من معناه، ويحوّل معاناة المرضى إلى مسار إضافي من الإذلال.
ووسط هذا الواقع، يطفو إلى السطح حديث متكرر عن الرشوة، أو ما يسميه البعض بـ“الهجوم الاستيطاني” لهذا السلوك داخل بعض المرافق، في غياب ربط واضح بين المسؤولية والمحاسبة، رغم أن الدستور ينص صراحة على هذا المبدأ، فحين يغيب الجزاء، يصبح الإهمال قاعدة، لا استثناء.
مستشفى بوافي، في هذا السياق، ليس حالة معزولة، بل مرآة تعكس أعطابًا أعمق تعيشها المنظومة الصحية العمومية بالدار البيضاء: خصاص مزمن في الموارد البشرية، اكتظاظ خانق في أقسام المستعجلات، ضعف في جودة الخدمات، وغياب شبه كلي للتواصل مع المواطن، الذي يجد نفسه الحلقة الأضعف في معادلة مختلة.
هذا الوضع يطرح أسئلة جوهرية لا يمكن الاستمرار في تجاهلها، لماذا لا تعتمد المستشفيات العمومية آليات شفافة لتدبير مواردها المالية، تضمن توجيه المداخيل مباشرة إلى خزينة الدولة بشكل معلن، ثم إعادة استثمارها في تحسين الخدمات؟ ولماذا يُطلب من المواطن أداء رسوم، ولو رمزية، مقابل خدمات صحية يُفترض أنها مضمونة في إطار الحق الدستوري في العلاج؟
إن استمرار هذا الواقع لا يهدد فقط صحة المرضى، بل يقوض الثقة في المرفق العمومي، ويفتح الباب أمام منطق اليأس أو اللجوء القسري إلى القطاع الخاص، ولو على حساب القدرة المادية للمواطن.
وعليه، فإن إصلاح ما يجري داخل مستشفى بوافي، وغيره من المؤسسات العمومية، لم يعد ترفًا أو خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة استعجالية لحماية كرامة المواطن، وإنقاذ ما تبقى من مصداقية الصحة العمومية.
تعليقات الزوار