اليحياوي يفكك مقولة “اذكروا موتاكم بخير” أو عندما يصبح الصمت تواطؤًا مع الطغيان

هبة زووم – الرباط
وفاءً لنهجه النقدي الصارم، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي ليطرق واحدًا من أكثر المواضيع حساسية في النقاش العمومي، عبر تدوينة قوية ردّ فيها على الأصوات التي تدعو إلى الصمت عن ذكر الطغاة والظلمة بعد وفاتهم، بدعوى الحديث النبوي “اذكروا موتاكم بخير”.
اليحياوي لا يجادل النص الديني، بل يُحاكم توظيفه الانتقائي في غير سياقه، حين يتحول إلى أداة لإغلاق الذاكرة الجماعية، ومحو سجلّات الظلم، وطمس المسؤوليات التاريخية.
فالسؤال الجوهري الذي يطرحه ليس أخلاقيًا مجردًا، بل سياسي – قيمي بامتياز: هل الموت يُسقط المحاسبة الرمزية؟ وهل يُطلب من الضحايا أن يصمتوا مرتين: مرة حين كان الطاغية حيًا، ومرة أخرى بعد موته؟
وهنا، يكتب اليحياوي بلغة مباشرة: طغاة عاشوا حياتهم خارج منطق القانون، بطشوا، سرقوا، تحايلوا، وعاثوا في الأرض فسادًا، دون أن تطالهم يد المساءلة، لا وهم أحياء ولا وهم في ذروة سطوتهم، وحين ماتوا – وغالبًا بعد أعمار مديدة من الإفلات من العقاب – يُطلب من المجتمع أن يطوي الصفحة، لا بالعبرة، بل بالنسيان.
هنا يضع اليحياوي خطًا فاصلًا بين التشهير بالأموات والتذكير بأفعالهم، فاستحضار ما اقترفته يد الطاغية ليس انتقامًا من رفاته، بل محاولة لإنصاف الذاكرة الجماعية، وتحذير الأحياء من تكرار المأساة. إن الصمت، في نظره، ليس حيادًا، بل شكل من أشكال إعادة إنتاج الظلم.
ويستدعي الباحث الحديث النبوي الشهير: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…”، ليقلب السؤال: ماذا عن عمل الطغاة؟ هل ينقطع فعلًا، أم يستمر بقدر ما خلّف من أضرار مادية واجتماعية ونفسية؟
يضرب مثالًا بالإقطاعيين الذين غادروا الحياة وتركوا وراءهم آلاف الهكتارات بوارًا، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، ومجتمعات محلية لا تزال تؤدي ثمن قراراتهم الجائرة، فالعمل، من حيث الفعل، انقطع؛ لكن الضرر لم ينقطع، ولا يزال حاضرًا في حياة الناس اليومية.
من هنا، يرى اليحياوي أن الدعوة إلى “ذكر الموتى بخير” تصبح، في حالات الظلم البنيوي، دعوة لتبييض التاريخ، وتطبيعًا مع الجريمة، ومصادرةً لحق المجتمع في الذاكرة والنقد.
فكيف يُطلب من الناس الدعاء بالرحمة لمن لم يترك خلفه سوى الخراب؟ وهل المطلوب إعادة زيارة قبورهم لاستخراج الدروس، أم إعادة تدوير الألم؟
المقالة–التدوينة لا تُحرّض على الكراهية، بل تؤسس لفكرة محورية: الذاكرة ليست حقدًا، بل شرطًا للعدالة، والمجتمعات التي لا تجرؤ على تسمية الطغيان باسمه، محكوم عليها بتكراره بأسماء جديدة.
بهذا الطرح، يضع اليحياوي الإصبع على جرح مغربي وعربي عميق: ثقافة الإفلات من العقاب، ليس فقط قانونيًا، بل رمزيًا وتاريخيًا، ويؤكد أن العبرة لا تكون بالصمت، بل بتسمية الأشياء بأسمائها، حتى لا يتحول “ذكر الموتى بخير” إلى وصية ضد الحقيقة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد