هبة زووم – الرباط
تتسع رقعة الغضب داخل المدرسة العمومية، مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى مشروع “مدارس الريادة”، الذي كان يُفترض أن يشكل قاطرة إصلاح نوعي للتعليم الابتدائي، قبل أن يتحول، وفق تعبير فاعلين نقابيين، إلى عبء إضافي يفاقم هشاشة الأوضاع المهنية والنفسية لنساء ورجال التعليم.
في هذا السياق، أطلقت اللجنة التحضيرية للنقابة الوطنية لأساتذة التعليم الابتدائي، المنضوية تحت لواء الجامعة الوطنية للتعليم (التوجه الديمقراطي)، تحذيرًا صريحًا من “التدهور المتسارع” الذي يطال الأساتذة، خصوصًا العاملين ضمن مشروع الريادة، معتبرة أن ما يجري تنزيله اليوم لا يمت بصلة لخطاب الإصلاح التشاركي الذي ترفعه الوزارة الوصية.
بلاغ النقابة لم يُخفِ نبرته النقدية، إذ اعتبر أن مشروع “مدارس الريادة” يُفرض بمنطق أحادي فوقي، دون إشراك فعلي للأساتذة، الذين يُفترض أنهم العمود الفقري لأي إصلاح تربوي.
لفبدل فتح نقاش حقيقي مع الفاعلين الميدانيين، وجدت الأطر التربوية نفسها، حسب النقابة، أمام تجربة جاهزة تُطبّق بالأمر الواقع، دون اعتبار لخصوصيات المؤسسات العمومية أو حاجيات المتعلمين داخل الأقسام.
ولم يقف الأمر عند حدود الإقصاء من التشاور، بل رافق المشروع، وفق البلاغ ذاته، ارتباك تنظيمي واختلالات لوجستيكية واضحة، في ظل غياب شروط الاشتغال السليم، وافتقار عدد من المؤسسات للتجهيزات والموارد البشرية الكافية، ما جعل “الريادة” شعارًا أكبر من إمكانيات التنزيل الواقعي.
أما العبء الأثقل، فيكمن – حسب النقابة – في التضخم غير المسبوق للمهام الإدارية والتقنية الملقاة على عاتق الأستاذ. تصحيح إضافي، تتبع يومي مرهق، تقارير لا تنتهي، منصات رقمية متعددة، وملفات تُراكم فوق طاولة المدرس، إلى درجة تحويله من فاعل تربوي إلى مجرد منفذ لإجراءات روتينية تستنزف طاقته النفسية والجسدية، وتدفعه نحو الإحباط والاحتراق المهني.
وعلى المستوى البيداغوجي، دقّت النقابة ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بتراجع الحرية الأكاديمية داخل الأقسام. فالأستاذ، وفق هذا التصور، لم يعد صانعًا للدرس ومكيّفًا له وفق مستوى المتعلمين، بل أصبح ناقلًا لمضامين جاهزة ومؤطرة بمؤشرات رقمية صارمة، لا تراعي الفوارق الفردية، ولا تفتح المجال للإبداع التربوي أو المرونة البيداغوجية.
واعتبرت الهيئة النقابية أن اختزال التعليم في أرقام ونِسب وأهداف كمية يُفرغ المدرسة العمومية من بعدها الإنساني، ويحوّل العملية التعليمية إلى “ميكانيكية نتائج”، بدل أن تكون فضاء لبناء شخصية المتعلم وتأهيله فكريًا وقيميًا.
أمام هذا الوضع، رفعت النقابة سقف مطالبها، مطالبة بتمتيع أساتذة التعليم الابتدائي بتعويض شهري لا يقل عن 3000 درهم، مقابل الأعباء الإضافية المرتبطة بمشروع “مدارس الريادة”، إلى جانب التعجيل بتنفيذ الالتزامات السابقة، خاصة اتفاقي 2011 و2023، المتعلقين بالتعويضات، والترقية، وتقليص ساعات العمل.
كما دعت اللجنة التحضيرية إلى مراجعة شاملة وجذرية لمشروع “الريادة”، انطلاقًا من تقييم موضوعي ميداني، يُشرك الأساتذة باعتبارهم أصحاب الخبرة اليومية داخل الفصول الدراسية، بدل الاكتفاء بتقارير إدارية معزولة عن واقع المدرسة العمومية.
وختمت النقابة موقفها بالتأكيد على استعدادها لخوض كافة الأشكال الاحتجاجية المشروعة دفاعًا عن كرامة الأستاذ، وعن مدرسة عمومية تضع الإنسان في صلب الإصلاح، معلنة عزمها تنظيم المؤتمر التأسيسي للنقابة الوطنية لأساتذة التعليم الابتدائي، باعتباره خطوة تنظيمية لمواجهة ما تصفه بمحاولات “تحميل المدرس كلفة إصلاح لم يُستشر فيه”.
تعليقات الزوار