هبة زووم – أبو العلا العطاوي
الرشيدية، هذه المدينة التي يُفترض أن تكون قلب الصحراء الشرقية ونقطة وصل بين أقطاب المملكة، صارت مختبراً حقيقياً للفساد، حيث تتحول مشاريع التنمية إلى مسرح للعبث، والمدينة كلها مجرد خلفية لعرض غنائم “اللصوص الجدد”.
هنا، الانارة التاريخية لشارع، ترقيع حفرة، أو تدشين مشروع بائس يُقدّم كإنجاز تاريخي، كلها أمثلة على عقلية إدارة المدينة، التي تتعامل مع الرشيدية وكأنها بقرة حلوب على صعيد لوبيات محلية تعرف كيف تطعم نفسها على حساب العموم.
في نسخة مغربية من “علي بابا والأربعين حرامي”، العدد غير محدود، والمغارات متجددة، كل مرة يُفتح باب ميزانية جديدة، تظهر يد جديدة من “اللصوص المحترفين”، محملة بالصفقات المشبوهة، بينما المواطن الرشداوي يشاهد المشهد من خلف الزجاج، عاجزاً عن الحركة، عاجزاً عن التنفس، مستسلماً لليأس.
هنا، لا شيء يُباع وفق قيمته الحقيقية: الصفقات ترسم على المقاس، المشاريع تتعثر، والأسفلت يتحول إلى لوحة فنية للتصدع، بينما الأرصدة البنكية تتضخم والسيارات الفارهة تلمع تحت شمس الصحراء، وكأن الفساد أصبح فناً يُعرض على الملأ.
ما يحدث ليس فشلاً عابراً، بل خطة ممنهجة لإفراغ التنمية من معناها، فيما الإدارة الترابية تشتغل بمنطق المسكنات: حفرة تُرقع، شارع يُضاء، وبذلك يتم تصوير الرداءة كإنجاز.
المواطنون، في المقابل، يتعلمون أن المشاريع الوهمية أمر طبيعي، وأن الرداءة صارت ثقافة عامة، وهي النتيجة المباشرة لعقلية تدير المدينة كغنيمة شخصية وليست مشروعاً وطنياً.
هؤلاء اللصوص الجدد لا يسرقون بدافع الحاجة، بل بدافع الشعور بالتفوق على القانون والغرور الشخصي، كل مشروع حقيقي يهدد مصالحهم يتم محاربته بذكاء خبيث: سدود تُقام على الأفكار، لوائح تُعد، وقوانين تُفسر لمصلحتهم وحدهم، وهم يعرفون جيداً أن المواطن المستسلم سيبقى ساكناً، فاقداً للأمل، ينتظر سقوط “علي بابا” وحده، دون أن يتحرك.
يرى البعض أن المكر والاحتيال نوع من الذكاء، لكن الواقع يقول غير ذلك: الذكاء الحقيقي هو القدرة على بناء نظام مستدام، يضمن نجاح الجميع، لا شبكة محدودة من المحتكرين.
فكل محاولة للشفافية أو إعادة الحق لأصحابه تُقابل بعين تراقب وتنتظر الفرصة للابتزاز أو التضييق، ما يحول المدينة إلى مسرح مستمر للفساد.
الرشيدية ليست ضحية الجغرافيا أو ضعف الإمكانات، بل ضحية منظومة كاملة تتواطأ على إقصائها من التنمية، والحل لا يكمن في انتظار سقوط “علي بابا”، بل في وعي جماعي صادق، وقوانين صارمة تفرض محاسبة كل من يتعامل مع المدينة وكأنها ملكيته الخاصة، وكل يوم يمر دون تغيير هو يوم إضافي يضيف إلى رصيد الفساد ويبتلع حلم المدينة في مستقبل أفضل.
الرشيدية ليست مجرد مدينة منسية، بل مرآة لحقيقة واحدة: التنمية في المغرب لن تكون شاملة إلا إذا تحررت المدن من “اللصوص الجدد”، وإذا استعاد المواطنون حقهم في أن يُعاملوا بكرامة، بعيداً عن المسرحيات البالية والصفقات المشبوهة.
تعليقات الزوار