هبة زووم – الرشيدية
لم يعد ضعف البرمجة المالية داخل جماعة الرشيدية مجرد خلل تقني أو سوء تقدير عابر، بل أصبح اختيارًا سياسيًا واعيًا تحكمه منطق التفويضات الانتخابية، لا حاجيات الساكنة، في سنة انتخابية بامتياز.
وفي هذا السياق، تستعد جماعة الرشيدية لعقد أشغال اللجنة المكلفة بالميزانية والشؤون المالية والبرمجة، يوم الاثنين 26 يناير 2026، على الساعة الخامسة مساءً بمقر الجماعة، في إطار متابعة تنفيذ برامج السنة المالية وتسيير الشأن المحلي.
فكل من يتابع جدول أعمال لجنة الميزانية والشؤون المالية، يدرك أن الأمر لا يتعلق بتدبير رشيد، بل بإعادة توزيع النفوذ والامتيازات استعدادًا مبكرًا لمعركة الصناديق.
القرارات المبرمجة لا تعكس أي تصور تنموي واضح، ولا تحمل أثرًا مباشرًا على الحياة اليومية للمواطن، بقدر ما تخدم حسابات ضيقة لأصحاب التفويضات الذين يضعون “لمساتهم” على هذه النقاط بعين واحدة فقط: كم ستضيف لي هذه النقطة انتخابيًا؟ لا ماذا ستضيف للمدينة.
الأخطر في هذا المشهد هو الغياب الفاضح لقطاع النظافة من جدول الأعمال، وكأن الرشيدية لا تعيش أصلًا أزمة خانقة في هذا المجال، أحياء تغرق في الأزبال، نقاط سوداء تتكاثر، روائح خانقة، ومشهد يومي يُهين كرامة الساكنة، ومع ذلك، لا أثر لبرنامج استعجالي، ولا تقييم للتدبير الفاشل الذي صاحب القطاع، ولا مساءلة حقيقية للجهة المسؤولة.
وليس هذا الغياب بريئًا، فالجميع يعلم أن قطاع النظافة أصبح إقطاعية انتخابية بيد أحد “الكائنات الانتخابية” الذي لا يتحرك إلا بمنطق توسيع القاعدة الانتخابية، ولو على حساب صحة المواطنين وكرامتهم.
فالتدبير هنا، وفي نظر صاحبنا الذي عمر طويلا في دهاليز الجماعة وأصبح مسمارا من مسامير الميدة، لا يُقاس بالنجاعة ولا بالجودة، بل بقدرة القطاع على إنتاج الولاءات، وتوزيع “الرضى السياسي” في صمت.
أما بقية النقاط المدرجة، من برمجة فائض الميزانية، وتعديل القرار الجبائي، واقتناء أوعية عقارية، وتنظيم احتلال الملك العام، فهي تُدار بمنطق تقني جاف، دون ربطها بسؤال العدالة المجالية أو أولويات الساكنة، أين الاستثمار في الأحياء المهمشة؟ أين معالجة اختناق السير؟ أين تحسين الخدمات الأساسية؟ لا شيء، فقط برمجة بلا روح.
إن ما يقع اليوم في الرشيدية هو اختزال خطير للجماعة في دور “آلة انتخابية”، تُحرّك الميزانية حسب مزاج أصحاب التفويضات، لا حسب دفاتر التحملات الاجتماعية، والمواطن هنا ليس محور السياسات، بل رقم مؤجل إلى ما بعد الانتخابات، أو ورقة تُستدعى عند الحاجة.
الأكثر إثارة للقلق أن هذه القرارات تُمرر في صمت، دون نقاش عمومي حقيقي، ودون إشراك فعلي للساكنة أو المجتمع المدني، وكأن المال العام ملك خاص، وكأن المدينة رهينة تفاهمات مغلقة لا ترى فيها الساكنة سوى نتائجها الكارثية.
إن استمرار هذا النهج يعني شيئًا واحدًا: تكريس الفشل، وتدوير الأزمة، وتأجيل الانفجار الاجتماعي، فالمدينة لا تحتاج إلى مزيد من “التسيير الانتخابي”، بل إلى شجاعة سياسية تعيد ترتيب الأولويات، وتفتح ملفات التفويضات، وعلى رأسها النظافة، وتربط المسؤولية بالمحاسبة لا بالشعارات.
الساكنة اليوم لا تطلب معجزات، بل تطلب الحد الأدنى من الصدق السياسي: أن تُدار ميزانيتها من أجلها، لا ضدها، وأن تُخرَج المدينة من حسابات الصناديق إلى أفق التنمية الحقيقية.
تعليقات الزوار